منتدى عشاق النبي

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي


سنة نبينا هي طريقنا .
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 01:55

(ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين "64")


بعد أن بين الحق سبحانه وتعالى لنا كيف أمر اليهود بأن يتذكروا المنهج ولا
ينسوه .. وكان مجرد تذكرهم للمنهج يجعلهم يؤمنون بالإسلام وبرسول الله صلى الله
عليه وسلم لأنه مكتوب عندهم في التوراة ومذكورة أوصافه .. ماذا فعل اليهود؟

يقول الحق تبارك وتعالى: "ثم توليتم من بعد ذلك" .. أي أعرضتم عن منهج الله
ونسيتموه ولم تلتفتوا إليه .. "ولولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من
الخاسرين"
ما هو الفضل وما هي الرحمة؟
الفضل هو الزيادة عما تستحق .. يقال
لك هذا حقك وهذا فضل مني أي زيادة على حقك ..



فإذا تساءلت كيف يتم
هذا؟ وكيف أنه لا أحد يدخل الجنة بعمله؟ نقول نعم لأن عمل الدنيا كله لا يساوي نعمة
من نعم الله على خلقه؛ فأنت تذكرت العمل ولم تتذكر الفضل .. وكل من يدخل الجنة
فبفضل الله سبحانه وتعالى .. حتى الشهداء الذين أعطوا حياتهم وهي كل ما يملكون في
هذه الدنيا .. يقول الحق سبحانه وتعالى عنهم:

{فرحين بما آتاهم الله من
فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون "170" }
(سورة آل عمران)

فإذا كان هؤلاء الشهداء وهم في أعلى مراتب الجنة قد دخلوا
الجنة بفضل الله .. فما بالك بمن هم أقل منهم أجرا .. والله سبحانه وتعالى له فضل
على عباده جميعا .. واقرأ قوله تعالى:

{إن الله لذو فضلٍ على الناس ولكن
أكثر الناس لا يشكرون } (من الآية 243 سورة البقرة)

أما الرحمة فهي التي
فتحت طريق التوجه لغفران الذنوب. والله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلي أنه لولا
هذا الفضل لبني إسرائيل .. ولولا أنه فتح لهم باب الرحمة والمغفرة ليعودوا مرة أخرى
إلي ميثاقهم ومنهجهم .. لولا هذا لكانوا من الخاسرين الذين أصابهم خسران مبين في
الدنيا والآخرة .. ولكن الله تبارك وتعالى بفضل منه ورحمة قد قادهم إلي الدين الذي
حفظه الله سبحانه وتعالى بقدرته من أي تحريف .. فرفع عنهم عبء حفظ الكتاب .. وما
ينتج عن ذلك من حمل ثقيل في الدنيا .. ورحمهم برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي
أرسله رحمة للعالمين .. مصداقا لقوله تبارك وتعالى:

{وما أرسلناك إلا رحمة
للعالمين } (سورة الأنبياء)

وأعطاهم فضل هذا الدين الخاتم الذي حسم قضية
الإيمان في هذا الكون ومع هذه الرحمة وهذا الفضل .. بأن نزل إليهم في التوراة أوصاف
رسول الله صلى الله عليه وسلم وموعد بعثه .. فتح لهم بابا حتى لا يصبحوا من
الخاسرين .. ولكنهم تركوا هذا الباب كما تولوا عن دينهم.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 01:55

سورة البقرة

(ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردةً
خاسئين "65")

بعد أن بين الله جل جلاله لنا كيف أنه فتح باب الفضل والرحمة
لليهود فتركوه .. أراد أن يبين لنا بعض الذي فعلوه في مخالفة أوامر الله والتحايل
عليها .. والله تبارك وتعالى له أوامر في الدين وأوامر تتعلق بشئون الدنيا .. وهو
لا يحب أن نأخذ أي أمر له يتعلق بالدين أو الدنيا مأخذ عدم الجد ..
أو نفضل أمرا
على أمر .. ولذلك تجد في سورة الجمعة مثلا قول الحق تبارك وتعالى:

{يا أيها
الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله وذروا البيع ذلكم
خير لكم إن كنتم تعلمون "9" فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل
الله} (سورة الجمعة)

هذان أمران أحدهما في الدين والثاني يتعلق بالدنيا ..
وكلاهما من منهج الله .. فالله لا يريدك أن تتاجر وتعمل وقت الصلاة .. ولا أن تترك
عملك بلا داع وتبقى في المسجد بعد الصلاة .. إذا نودي للصلاة فإلي المسجد .. وإذا
قضيت الصلاة فإلي السعي للرزق .. وهناك يومان في الأسبوع ذكرا في القرآن بالاسم
وهما يوم الجمعة والسبت .. بينما أيام الأسبوع سبعة، خمسة أيام منها لم تذكر في
القرآن بالاسم .. وهي الأحد الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس .. الجمعة هي عيد
المسلمين الذي شرع فيه اجتماعهم في المساجد وأداء صلاة الجماعة .. ونلاحظ أن يوم
الجمعة لم يأخذ اشتقاقه من العدد .. فأيام الأسبوع نسبت إلي الأعداد فيما عدا
الجمعة والسبت. لذلك تجد الأحد منسوب إلي واحد والاثنين منسوب إلي اثنين ..
والثلاثاء منسوب إلي ثلاثة والأربعاء منسوب إلي أربعة والخميس منسوب إلي خمسة..

كان المفروض أن ينسب يوم الجمعة إلي ستة ولكنه لم ينسب .. لماذا؟ لأنه اليوم
الذي اجتمع فيه للكون نظام وجوده .. فسماه الله تبارك وتعالى الجمعة وجعله لنا عيدا
.. والعيد هو اجتماع كل الكون في هذا اليوم، اجتماع نعمة الله في إيجاد الكون
وتمامها في ذلك اليوم .. فالمؤمنون بالله يجتمعون اجتماع حفاوة بتمام خلق الكون لهم
.. والسبت .. الباء والتاء تفيد معنى القطع .. وسبت ويسبت سبتا إذا انقطع عمله ..
ونلاحظ أن خلق السماوات والأرض تم في ستة أيام مصداقا لقوله تعالى:

{هو
الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيامٍ } (من الآية 4 سورة الحديد)

وكان
تمام الخلق يوم الجمعة .. وفي اليوم السابع وهو يوم السبت .. كان كل شيء قد استقر
وفرغ من خلق الكون .. ولذلك له سبات أي أن هذا اليوم يسمى سباتا .. لأن فيه سكون
الحركة بعد تمام الخلق .. فلما أراد اليهود يوما للراحة أعطاهم الله يوم السبت
وأراد الحق تبارك وتعالى أن يبتليهم في هذا اليوم والابتلاء هو امتحانهم فقد كانوا
يعيشون على البحر وعملهم كان صيد السمك .. وكان الابتلاء في هذا اليوم حيث حرم الله
عليهم فيه العمل وجعل الحيتان التي يصطادونها تأتي إليهم وقد بدت أشرعتها وكانوا
يبحثون عنها طوال الأسبوع وربما لا يجدونها .. وفي يوم السبت جاءتهم ظاهرة على سطح
الماء تسعى إليهم لتفتنهم .. واقرأ قوله سبحانه وتعالى:

{واسألهم عن القرية
التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم
لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون "163"} (سورة الأعراف)


وهكذا يمتلئ سطح البحر بالأسماك والحيتان يوم السبت .. فإذا جاء صباح الأحد
اختفت بعيدا وهم يريدون أن يجعلوا السبت عيدا لهم لا يفعلون فيه أي شيء .. ولكنهم
في الوقت نفسه يريدون أن يحصلوا على هذه الأسماك والحيتان .. صنعوا شيئا اسمه
الحياض العميقة ليحتالوا بها على أمر الله بعدم العمل في هذا اليوم .. وفي الوقت
نفسه يحصلون على الأسماك .. هذه الحياض يدخلها السمك بسهولة .. ولأنها عميقة لا
يستطيع الخروج منها ويتركونه يبيت الليل وفي الصباح يصطادونه .. وكان هذا تحايلا
منهم على مخالفة أمر الله .. والله سبحانه وتعالى لا يحب من يحتال في شيء من
أوامره.

ويقول الله تعالى: "ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا
لهم كونوا قردة خاسئين" .. وهذه قصة مشهورة عند اليهود ومتواترة .. يعلمها الأجداد
للآباء والأباء للأحفاد .. وهي ليست جديدة عليهم وإن كان المخاطبون هم اليهود
المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. ولذلك عندما سمع: "ولقد علمتم" أي لقد
عرفتم ومعنى ذلك أن القصة عندكم معروفة .. وكأنها من قصص التراث التي يتناقلونها ..
وقوله تعالى: "الذين اعتدوا منكم في السبت" .. المفعول هنا واحد هنا حيلة مذكورة
أنهم اعتدوا على أمر الله بالراحة يوم السبت .. هم حقيقة لم يصطادوا يوم السبت ..
ولكنهم تحايلوا على الممنوع بنصب الفخاخ للحيتان والأسماك .. وكانوا في ذلك أغبياء
.. وقد كان الممنوع أن يأخذوا السمك في حيازتهم بالصيد يوم السبت .. ولكنهم أخذوه
في حيازتهم بالحيلة والفخاخ ..
وقوله تعالى: "اعتدوا" أي تجاوزوا حدود الله
المرسومة لهم .. وعادة حين يحرم الله شيئا يأتي بعد التحريم قوله تعالى:


{تلك حدود الله فلا تقربوها } (من الآية 187 سورة البقرة)
لأنه يريد أن
يمنعك من الإغراء .. حتى لا تقع في المعصية فيقول لك لا تقترب .. ولكن بني إسرائيل
اعتدوا على حكم الله متظاهرين بالطاعة وهم عاصون .. وحسبوا أنهم يستطيعون خداع الله
بأنهم طائعون مع أنهم عاصون .. وصدر حكم الله عليهم: "فقلنا لهم كونوا قردة
خاسئين". وعادة أنك لا تأمر إنسانا أمرا إلا إذا كان في قدرته أن يفعله .. الأمر
هنا أن يكونوا قردة. فهل يستطيعون تنفيذه؟ وأن يغيروا خلقتهم إلي قردة .. إنه أمر
في مقدرة الله وحده فكيف يقول لهم كونوا قردة؟ نقول إن الأمر نفسه هنا هو الذي
يستطيع أن يجعلهم قردة .. وهذا الأمر يسمى أمراً تسخيريا ولم يقل لهم كونوا قردة
ليكونوا هم بإرادتهم قردة ولكنه سبحانه بمجرد أن قال كونوا قردة كانوا .. وهذا
يدلنا على انصياع المأمور للأمر وهو غير مختار .. ولو كان لا يريد ذلك ولا يلزم أن
يكونوا قد سمعوا قول الله أو قال لهم .. لأنه لو كان المطلوب منهم تنفيذ ما سمعوه
ربما كان ذلك لازما .. ولكن بمجرد صدور الأمر وقبل أن ينتبهوا أو يعلموا شيئا كانوا
قردة.

ولقد اختلف العلماء كيف تحول هؤلاء اليهود إلي قردة؟ كيف مسخوا؟ قال
بعضهم لقد تم المسخ وهم لا يريدون .. فلما وجدوا أنفسهم قد تحولوا إلي خلق أقل من
الإنسان .. لم يأكلوا ولم يشربوا حتى ماتوا .. وقال بعض العلماء أن الإنسان إذا مسخ
فإنه لا يتناسل، ولذلك فبمجرد مسخهم لم يتناسلوا حتى انقرضوا .. ولماذا لم
يتناسلوا؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

{ولا تزر وازرة وزر أخرى } (من
الآية 164 سورة الأنعام)

ولو أنهم تناسلوا .. لتحمل الأبناء وزر آبائهم ..
وهذا مرفوض عند الله .. إذن فمن رحمة الله أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون
.. ويبقون فترة ثم ينقرضون بالأمراض والأوبئة وهذا ما حدث لهم. قد يقول بعض الناس
لو أنهم مسخوا قردة .. فمن أين جاء اليهود الموجودون الآن؟ نقول لهم أنه لم يكن كل
اليهود عاصين .. ولكن كان منهم أقلية وهي التي عصت ومسخت .. وبقيت الأكثرية ليصل
نسلهم إلينا اليوم .. وقد قال علماء آخرون أن هناك آية في سورة المائدة تقول:


{قل هل أنبئكم بشرٍ من ذلك مثوبةً عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل
منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل "60"}
(سورة المائدة)

إذن هذه قضية قوم غضب الله عليهم ومسخهم قردة وخنازير وعبدة
الطاغوت .. ولقد أخبرنا الله جل جلاله أن اليهود مسخوا قردة .. ولكنه لم يقل لنا
أنهم مسخوا خنازير .. فهل مسخوا قردة؟ ثم بعد ذلك ازداد غضب الله عليهم ومسخوا
خنازير؟ وهل نقلهم الله من إنسانية إلي بهيمية في القيم والإرادة والخلقة؟ نقول
علينا أولا أن ننظر إلي البهيمية التي نقلهم الله إليها .. نجد أن القردة هي
الحيوان الوحيد المفضوح العورة دائما .. وإن عورته لها لون مميز عن جسده .. وأنه لا
يتأدب إلا بالعصا .. واليهود كذلك لم يقبلوا المنهج إلا عندما رفع فوقهم جبل الطور
.. وما هم فيه الآن ليس مسخ خلقه ولكن مسخ خلق .. والخنازير لا يغارون على أنثاهم
وهذه لازمة موجودة في اليهود ..
وعبدة الطاغوت .. الطاغوت هم الطائعون لكل ظالم
يعينونه على ظلمه وهم كذلك. إذن فعملية المسخ هذه سواء تمت مرة واحدة أو على مرتين
مسألة شكلية .. ولكن الله سبحانه وتعالى أعطانا في الآية التي ذكرناها في سورة
المائدة سمات اليهود الأخلاقية .. فكأنهم مسخوا خلقه ومسخوا أخلاقا.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 01:55

(إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل
صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون "62")

بعد أن تحدث
الحق سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل وكيف كفروا بنعمه .. أراد أن يعرض لنا حساب
الأمم التي سبقت أمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، ولقد وردت هذه
الآية في سورة المائدة ولكن بخلاف يسير من التقديم والتأخير .. ففي سورة المائدة:


{إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى } (من الآية 69 سورة
المائدة)

أي أنه في سورة المائدة تقدمت الصابئون على النصارى .. واختلف
الإعراب فبينما في البقرة و"الصابئين" .. وفي المائدة و"الصابئون" .. وردت آية أخرى
في سورة الحج:

{إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس
والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيداً "17"}
(سورة الحج)

الآيات الثلاث تبدو متشابهة .. إلا أن هناك خلافات كثيرة .. ما
هو سبب التكرار الموجود في الآيات .. وتقديم الصابئين مرة وتأخيرها .. ومع تقديمها
رفعت وتغير الإعراب .. وفي الآيتين الأوليين (البقرة والمائدة) تأتي: "من آمن بالله
واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" .. أما
في الآية التي في سورة الحج فقد زاد فيها: "المجوس والذين أشركوا" .. واختلف فيها
الخبر .. فقال الله سبحانه وتعالى: "إن الله يفصل بينهم يوم القيامة". عندما خلق
أدم الله وأنزله ليعمر الأرض أنزل معه الهدى .. واقرأ قوله تعالى:

{فإما
يأتينكم مني هدىً فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى } (من الآية 123 سورة طه)


مفروض أن آدم أبلغ المنهج لأولاده .. وهؤلاء أبلغوه لأولادهم وهكذا وتشغل
الناس الحياة وتطرأ عليهم الغفلة .. ويصيبهم طمع الدنيا وجشعها ويتبعون شهواتهم ..
فكان لابد من رحمة الله لخلقه أن يأتي الرسل ليذكروا وينذروا ويبشروا .. الآية
الكريمة تقول: "إن الذين آمنوا" .. أي إيمان الفطرة الذي نزل مع آدم إلي الأرض ..
وبعد ذلك جاءت أديان كفر الناس بها فأبيدوا من على الأرض .. كقوم نوح ولوط وفرعون
وغيرهم .. وجاءت أديان لها اتباع حتى الآن كاليهودية والنصرانية والصابئية، والله
سبحانه وتعالى يريد أن يجمع كل ما سبق في رسالة محمد عليه الصلاة والسلام ..

ورسول الله صلى الله عليه وسلم جاء لتصفية الوضع الإيماني في الأرض..
إذن
الذين آمنوا أولا مع آدم أو مع الرسل .. الذين جاءوا بعده لمعالجة الداءات التي
وقعت .. ثم الذين تسموا باليهود والذين تسموا بالنصارى والذين تسموا بالصابئة ..
فالله تبارك وتعالى يريد أن يبلغهم لقد انتهى كل هذا .. فمن آمن بمحمد صلى الله
عليه وسلم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ..

فكأن رسالته عليه الصلاة والسلام
جاءت لتصفية كل الأديان السابقة .. وكل إنسان في الكون مطالب بأن يؤمن بمحمد عليه
الصلاة والسلام .. فقد دعي الناس كلهم إلي الإيمان برسالته .. ولو بقى إنسان من عهد
آدم أو من عهد إدريس أو من عهد نوح أو إبراهيم أو هود .. أولئك الذين نسبوا إلي
اليهودية وإلى النصرانية وإلى الصابئية .. كل هؤلاء مطالبون بالإيمان بمحمد صلى
الله عليه وسلم والتصديق بدين الإسلام .. فالإسلام يسمح العقائد السابقة في الأرض
.. ويجعلها مركزة في دين واحد .. الذين آمنوا بهذا الدين: "ولا خوف عليهم ولا هم
يحزنون" .. والذين لم يؤمنوا لهم خوف وعليهم حزن .. وهذا إعلان بوحدة دين جديد ..
ينتظم فيه كل من في الأرض إلي أن تقوم الساعة .. أما أولئك الذين ظلوا على ما هم
عليه .. ولم يؤمنوا بالدين الجديد .. لا يفصل الله بينهم إلا يوم القيامة .. ولذلك
فإن الآية التي تضمنت الحساب والفصل يوم القيامة .. جاء فيها كل من لم يؤمن بدين
محمد عليه الصلاة والسلام .. بما فيهم المجوس والذين أشركوا.
والحق تبارك
وتعالى أراد أن يرفع الظن .. عمن تبع دينا سبق الإسلام وبقي عليه بعد الإسلام ..
وهو يظن أن هذا الدين نافعه .. نقول له أن الحق سبحانه وتعالى قد حسم هذه القضية في
قوله تعالى:

{ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه } (من الآية 85 سورة
آل عمران)

وقوله جل جلاله: {إن الدين عند الله الإسلام } (من الآية 19 سورة
آل عمران)

إذن التصفية النهائية لموكب الإيمان والرسالات في الوجود حسمت ..
فالذي آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام .. لا يخاف ولا يحزن يوم القيامة .. والذي لم
يؤمن يقول الله تبارك وتعالى له "إن الله يفصل بينهم يوم القيامة" .. إذن الذين
آمنوا هم الذين ورثوا الإيمان من عهد آدم .. والذين هادوا هم أتباع موسى عليه
السلام .. وجاء الاسم من قولهم: "إنا هدنا إليك" ـ أي عدنا إليك .. والنصارى جمع
نصراني وهم منسوبون إلي الناصرة البلدة التي ولد فيها عيسى عليه السلام .. أو من
قول الحواريين نحن أنصار الله في قوله تعالى:
{فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من
أنصاري إلي الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون "52" }
(سورة آل عمران)
أما الصابئة فقد اختلف العلماء فيهم .. قال بعضهم هم أتباع نوح
ولكنهم غيروا بعده وعبدوا من دون الله الوسائط في الكون كالشمس والقمر والكواكب ..
أو الصابئة هم الذين انتقلوا من الدين الذي كان يعاصرهم إلي الدين الجديد .. أو هم
جماعة من العقلاء قالوا ما عليه قومنا لا يقنع العقل .. كيف نعبد هذه الأصنام ونحن
نصنعها ونصلحها؟ .. فامتنعوا عن عبادة أصنام العرب .. فقالوا عنهم إنهم صبئوا عن
دين آبائهم .. أي تركوه وآمنوا بالدين الجديد ..
وأيا كان المراد بالصابئين فهم
كل من مال عن دينه إلي دين آخر.

أننا نلاحظ أن الله سبحانه وتعالى .. جاء
بالصابئين في سورة البقرة متأخرة ومنصوبة .. وفي سورة المائدة متقدمة ومرفوعة ..
نقول هذا الكلام يدخل في قواعد النحو .. الآية تقول: "إن الذين آمنوا" .. نحن نعرف
أن (إن) تنصب الاسم وترفع الخبر .. فالذين مبني لأنه اسم موصول في محل منصوباً
أيضاً .. والنصارى معطوف أيضا على اسم إن .. والصابئين معطوف أيضا ومنصوب بالياء
لأنه جمع مذكر سالم .. نأتي إلي قوله تعالى: "من آمن بالله واليوم الآخر". هذه
مستقيمة في سورة البقرة إعرابا وترتيبا .. والصابئين تأخرت عن النصارى لأنهم فرقة
قليلة لا تمثل جمهرة كثيرة كالنصارى .. ولكن في آية المائدة تقدمت الصابئون وبالرفع
في قوله تعالى: "إن الذين آمنوا والذين هادوا" .. الذين آمنوا اسم إن والذين هادوا
معطوف .. و"الصابئون" كان القياس إعرابيا أن يقال والصابئين .. وبعدها النصارى
معطوفة .. ولكن كلمة (الصابئون) توسطت بين اليهود وبين النصارى .. وكسر إعرابها
بشكل لا يقتضيه الظاهر .. وللعرب إذن مرهفة لغويا .. فمتى سمع الصابئين التي جاءت
معطوفة على اسم إن تأتي بالرفع يلتفت لفتة قسرية ليعرف السبب ..
حين تولى أبا
جعفر المنصور الخلافة .. وقف على المنبر ولحن لحنة أي أخطأ في نطق كلمة .. وكان
هناك إعرابي يجلس فآذت أذنيه .. وأخطأ المنصور للمرة الثانية فحرك الإعرابي أذنيه
باستغراب .. وعندما أخطأ للمرة الثالثة قام الإعرابي وقال .. أشهد أنك وليت هذا
الأمر بقضاء وقدر .. أي أنك لا تستحق هذا .. هذا هو إذا سمعه العربي هز أذنيه ..
فإذا جاء لفظ مرفوعا والمفروض أن يكون منصوبا .. فإن ذلك يجعله يتنبه أن الله له
حكمة وعلة .. فما هي العلة؟ .. الذين آمنوا أمرهم مفهوم والذين هادوا أمرهم مفهوم
والنصارى أمرهم مفهوم .. أما الصابئون فهؤلاء لم يكونوا تابعين لدين .. ولكنهم
سلكوا طريقا مخالفا .. فجاءت هذه الآية لتلفتنا أن هذه التصفية تشمل الصابئين أيضا
فقدمتها ورفعتها لتلفت إليها الآذان بقوة .. فالله سبحانه وتعالى يعطف الإيمان على
العمل لذلك يقول دائما: "آمن وعمل صالحا" .. لأن الإيمان إن لم يقترن بعمل فلا
فائدة منه .. والله يريد الإيمان أن يسيطر على حركة الحياة بالعمل الصالح .. فيأمر
كل مؤمن بصالح العمل وهؤلاء لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 01:56

(وإذا أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوةٍ واذكروا ما فيه
لعلكم تتقون "63")

يمتن الله سبحانه وتعالى مرة أخرى على بني إسرائيل
بالنعم التي أنعم بها عليهم ويذكرهم بجحودهم بها.. ولكننا نلاحظ أن القرآن الكريم
حينما يتكلم عن اليهود .. يتكلم عنهم بالخطاب المباشر .. فهل الذين عاصروا نزول
القرآن وهم الذين أخذ الله تبارك وتعالى عليهم الميثاق .. هؤلاء مخاطبون بمراد
آبائهم وأجدادهم الذين عاصروا موسى عليه السلام.
نقول أنه كان المطلوب من كل جد
أو أب أن يبلغ ذريته ما انتهت إليه قضية الإيمان .. فحين يمتن الله عليهم أنه أهلك
أهل فرعون وأنقذهم .. يمتن عليهم لأنه أنقذ آباءهم من التذبيح .. ولولا أنه أنقذهم
ما جاء هؤلاء اليهود المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. فهم كانوا مطمورين
في ظهور آبائهم .. ولكي ينقذهم الله كان لابد أن تستمر حلقة الحياة متصلة .. فمتى
انتهت حياة الأب قبل أن يتزوج وينجب انتهت في اللحظة نفسها حياة ذريته .. الشيء
نفسه ينطبق على قول الحق سبحانه وتعالى: وإذا استسقى موسى لقومه" .. امتنان على
اليهود المعاصرين لنزول القرآن .. لأنه سبحانه وتعالى لو لم ينقذ آباءهم من الموت
عطشا لماتوا بلا ذرية.

إذن كل امتنان على اليهود في عهد موسى هو امتنان على
ذريته في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .. والحق سبحانه وتعالى أخذ على اليهود
الميثاق القديم .. ولولا هذا الميثاق ما آمنوا ولا آمنت ذريتهم.

وقوله
تعالى: "ورفعنا فوقكم الطور" .. أي أن الله تبارك وتعالى يذكرهم بأنهم بعد أن نجوا
وأغرق الله فرعون وقومه ذهب موسى لميقات ربه ليتلقى عنه التوراة .. فعبد بنو
إسرائيل العجل. وعندما عاد موسى بالتوراة وبالألواح .. وجدوا في تعاليمها مشقة
عليهم .. وقالوا نحن لا نطيق هذا التكليف وفكروا ألا يلتزموا به وألا يقبلوه.


التكليف هو من مكلف هو الله سبحانه وتعالى .. وهم يقولون إن الله كلفهم ما
لا يطيقون .. مع أن الله جل جلاله لا يكلف نفسا إلا وسعها .. هذا هو المبدأ
الإيماني الذي وضعه الحق جل جلاله .. يظن بعض الناس أن معنى الآية الكريمة:
{لا
يكلف الله نفساً إلا وسعها } (من الآية 286 سورة البقرة)
يظنون أننا نضع أنفسنا
حكما على تكليف الله فإن كنا نعتقد أننا نقدر هذا التكليف نقل هو من الله وإن كنا
نعتقد أننا لا نقدر عليه بحكمنا نحن نقل الله لم يكلفنا بهذا لأنه فوق طاقتنا ..

ولكن الحكم الصحيح هل كلفك الله بهذا الأمر أو لم يكلفك؟ إن كان الله قد كلفك
فهو عليم بأن ذلك في وسعك؛ لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها .. ونحن نسمع الآن
صيحات تقول أن العصر لم يعد يحتمل .. وإن ظروف الدنيا وسرعة الحركة فيها وسرعة
الأحداث هي تبرير أنه ليس في وسعنا أن نؤدي بعض التكاليف .. ربما كان هذا التكليف
في الوسع في الماضي عندما كانت الحياة بسيطة وحركتها بطيئة ومشكلاتها محدودة.


نقول لمن يردد هذا الكلام: إن الذي كلفك قديما هو الله سبحانه وتعالى إنه
يعلم أن في وسعك أن تؤدي التكليف وقت نزوله .. وبعد آلاف السنين من نزوله وحتى قيام
الساعة .. والدليل على ذلك أن هناك من يقوم بالتكليف ويتطوع بأكثر منه ليدخل في باب
الإحسان؛ فهناك من يصلي الفروض وهي التكليف .. وهناك من يزيد عليها السنن .. وهناك
من يقوم الليل .. فيظل يتقرب إلي الله تبارك وتعالى بالتطوع من جنس ما فرض .. وهناك
من يصوم رمضان ومن يتطوع ويصوم أوائل الشهور العربية .. أو كل اثنين وخميس على مدار
العام أو في شهري رجب وشعبان .. وهناك من يحج مرة ومن يحج مرات .. وهناك من يلتزم
بحدود الزكاة ومن يتصدق بأكثر منه.

إذن كل التكاليف التي كلفنا الله بها في
وسعنا وأقل من وسعنا .. ولا يقال أن العصر قد اختلف، فنحن الذين نعيش هذا العصر ..
بكل ما فيه من متغيرات نقوم بالتكاليف ونزيد عليها دون أي مشقة، والله سبحانه
وتعالى رفع فوق بني إسرائيل الطور رحمة بهم .. تماما كما يمسك الطبيب المشرط ليزيل
صديداً تكون داخل الجسد .. لأن الجسد لا يصح بغير هذا. لذلك عندما أراد الله سبحانه
وتعالى أن يصيب بفضله ورحمته بني إسرائيل رغم أنوفهم .. رفع فوقهم جبل الطور
الموجود في سيناء .. وقال لهم تقبلوا التكليف أو أطبق عليكم الجبل .. تماما كما
أهلك الله تبارك وتعالى الذين كفروا ورفضوا الإيمان وقاوموا الرسل الذين من قبلهم
..

قد يقول البعض إن الله سبحانه وتعالى أرغم اليهود على تكليف وهو القائل:


{لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } (من الآية 256 سورة البقرة)


وقوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } (من الآية 29 سورة الكهف)


نقول إن الله جل جلاله لم يرغم أحدا على التكليف .. ولكنه رحمة منه خيرهم
بين التكليف وبين عذاب يصيبهم فيهلكهم .. وهذا العذاب هو أن يطبق عليهم جبل الطور
.. إذن المسألة ليس فيها إجبار ولكن فيها تخيير .. وقد خير الذين من قبلهم بين
الإيمان والهلاك فلن يصدقوا حتى أصابهم الهلاك .. ولكن حينما رأى بنو إسرائيل الجبل
فوقهم خشعوا ساجدين على الأرض .. وسجودهم دليل على أنهم قبلوا المنهج .. ولكنهم
كانوا وهم ساجدون ينظرون إلي الجبل فوقهم خشية أن يطبق عليهم .. ولذلك تجد سجود
اليهود حتى اليوم على جهة من الوجه .. بينما الجهة الأخرى تنظر إلي أعلى وكان ذلك
خوفا من أن ينقض الجبل عليهم .. ولو سألت يهودياً لماذا تسجد بهذه الطريقة يقول لك
أحمل التوراة ويهتز منتفضا ..
نقول أنهم اهتزوا ساعة أن رفع الله جبل الطور
فوقهم .. فكانوا في كل صلاة يأخذون الوضع نفسه، والذين شهدوهم من أولادهم وذريتهم
.. اعتقدوا أنها شرط من شروط السجود عندهم .. ولذلك أصبح سجودهم على جانب من الوجه
.. ونظرهم إلي شيء أعلاهم يخافون منه .. أي أن الصورة التي حدثت لهم ساعة رفع جبل
الطور لازالوا باقين عليها حتى الآن.

في هذه الآية الكريمة يقول الحق تبارك
وتعالى: "وإذا رفعنا فوقكم الطور .." وفي آية أخرى يقول المولى جل جلاله في نفس ما
حدث:

{وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظله وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم
بقوةٍ واذكروا ما فيه لعلكم تتقون "171" } (سورة الأعراف)

"نتقنا" كأن
الجبل وتد في الأرض ونريد أن نخلعه .. فنحركه يمينا ويسارا حتى يمكن أن يخرج من
الأرض .. هذه الحركة والزحزحة والجذب هي النتق .. والجبل كالوتد تماما يحتاج إلي هز
وزعزعة وجذب حتى يخرج من مكانه .. وهذه الصورة عندما حدثت خشعوا وسجدوا وتقبلوا
المنهج.

يقول الحق سبحانه وتعالى: "خذوا ما آتيناكم بقوة" .. الأخذ عادة
مقابل للعطاء .. أنت تأخذ من معطٍ .. والتكليف أخذ من الله حتى تعطي به حركة صلاح
في الكون .. إذن كل أخذ لابد أن يأتي منه عطاء؛ فأنت تأخذ من الجيل الذي سبقك وتعطي
للجيل الذي يليك .. ولكنك لا تعطيه كما هو، ولكن لابد أن تضيف عليه. وهذه الإضافة
هي التي تصنع الحضارات.

وقوله تعالى: "بقوة" .. أي لا تأخذوا التكليف
بتخاذل .. والإنسان عادة يأخذ بقوة ما هو نافع له .. ولذلك فطبيعة مناهج الله أن
تؤخذ بقوة وبيقين .. لتعطي خيرا كثيرا بقوة وبيقين .. وإذا أخذت منهج الله بقوة فقد
ائتمنت عليه وأن صدرك قد انشرح وتريد أن تأخذ أكثر .. لذلك تجد في القرآن الكريم
يسألونك عن كذا .. دليل على أنهم عشقوا التكليف وعلموا أنه نافع فهم يريدون زيادة
النفع. ومادام الحق سبحانه وتعالى قال: "خذوا ما آتيناكم بقوة" .. فقد عشقوا
التكليف ولم يعد شاقا على أنفسهم.

وقوله تعالى: "واذكروا ما فيه لعلكم
تتقون" .. اذكروا ما فيه أي ما في المنهج وأنه يعالج كل قضايا الحياة واعرفوا حكم
هذه القضايا .. "لعلكم تتقون" أي تطيعون الله وتتقون عقابه وعذابه يوم القيامة.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 01:56

(ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين "64")


بعد أن بين الحق سبحانه وتعالى لنا كيف أمر اليهود بأن يتذكروا المنهج ولا
ينسوه .. وكان مجرد تذكرهم للمنهج يجعلهم يؤمنون بالإسلام وبرسول الله صلى الله
عليه وسلم لأنه مكتوب عندهم في التوراة ومذكورة أوصافه .. ماذا فعل اليهود؟

يقول الحق تبارك وتعالى: "ثم توليتم من بعد ذلك" .. أي أعرضتم عن منهج الله
ونسيتموه ولم تلتفتوا إليه .. "ولولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من
الخاسرين"
ما هو الفضل وما هي الرحمة؟
الفضل هو الزيادة عما تستحق .. يقال
لك هذا حقك وهذا فضل مني أي زيادة على حقك ..



فإذا تساءلت كيف يتم
هذا؟ وكيف أنه لا أحد يدخل الجنة بعمله؟ نقول نعم لأن عمل الدنيا كله لا يساوي نعمة
من نعم الله على خلقه؛ فأنت تذكرت العمل ولم تتذكر الفضل .. وكل من يدخل الجنة
فبفضل الله سبحانه وتعالى .. حتى الشهداء الذين أعطوا حياتهم وهي كل ما يملكون في
هذه الدنيا .. يقول الحق سبحانه وتعالى عنهم:

{فرحين بما آتاهم الله من
فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون "170" }
(سورة آل عمران)

فإذا كان هؤلاء الشهداء وهم في أعلى مراتب الجنة قد دخلوا
الجنة بفضل الله .. فما بالك بمن هم أقل منهم أجرا .. والله سبحانه وتعالى له فضل
على عباده جميعا .. واقرأ قوله تعالى:

{إن الله لذو فضلٍ على الناس ولكن
أكثر الناس لا يشكرون } (من الآية 243 سورة البقرة)

أما الرحمة فهي التي
فتحت طريق التوجه لغفران الذنوب. والله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلي أنه لولا
هذا الفضل لبني إسرائيل .. ولولا أنه فتح لهم باب الرحمة والمغفرة ليعودوا مرة أخرى
إلي ميثاقهم ومنهجهم .. لولا هذا لكانوا من الخاسرين الذين أصابهم خسران مبين في
الدنيا والآخرة .. ولكن الله تبارك وتعالى بفضل منه ورحمة قد قادهم إلي الدين الذي
حفظه الله سبحانه وتعالى بقدرته من أي تحريف .. فرفع عنهم عبء حفظ الكتاب .. وما
ينتج عن ذلك من حمل ثقيل في الدنيا .. ورحمهم برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي
أرسله رحمة للعالمين .. مصداقا لقوله تبارك وتعالى:

{وما أرسلناك إلا رحمة
للعالمين } (سورة الأنبياء)

وأعطاهم فضل هذا الدين الخاتم الذي حسم قضية
الإيمان في هذا الكون ومع هذه الرحمة وهذا الفضل .. بأن نزل إليهم في التوراة أوصاف
رسول الله صلى الله عليه وسلم وموعد بعثه .. فتح لهم بابا حتى لا يصبحوا من
الخاسرين .. ولكنهم تركوا هذا الباب كما تولوا عن دينهم.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 01:57

سورة البقرة

(ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردةً
خاسئين "65")

بعد أن بين الله جل جلاله لنا كيف أنه فتح باب الفضل والرحمة
لليهود فتركوه .. أراد أن يبين لنا بعض الذي فعلوه في مخالفة أوامر الله والتحايل
عليها .. والله تبارك وتعالى له أوامر في الدين وأوامر تتعلق بشئون الدنيا .. وهو
لا يحب أن نأخذ أي أمر له يتعلق بالدين أو الدنيا مأخذ عدم الجد ..
أو نفضل أمرا
على أمر .. ولذلك تجد في سورة الجمعة مثلا قول الحق تبارك وتعالى:

{يا أيها
الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله وذروا البيع ذلكم
خير لكم إن كنتم تعلمون "9" فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل
الله} (سورة الجمعة)

هذان أمران أحدهما في الدين والثاني يتعلق بالدنيا ..
وكلاهما من منهج الله .. فالله لا يريدك أن تتاجر وتعمل وقت الصلاة .. ولا أن تترك
عملك بلا داع وتبقى في المسجد بعد الصلاة .. إذا نودي للصلاة فإلي المسجد .. وإذا
قضيت الصلاة فإلي السعي للرزق .. وهناك يومان في الأسبوع ذكرا في القرآن بالاسم
وهما يوم الجمعة والسبت .. بينما أيام الأسبوع سبعة، خمسة أيام منها لم تذكر في
القرآن بالاسم .. وهي الأحد الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس .. الجمعة هي عيد
المسلمين الذي شرع فيه اجتماعهم في المساجد وأداء صلاة الجماعة .. ونلاحظ أن يوم
الجمعة لم يأخذ اشتقاقه من العدد .. فأيام الأسبوع نسبت إلي الأعداد فيما عدا
الجمعة والسبت. لذلك تجد الأحد منسوب إلي واحد والاثنين منسوب إلي اثنين ..
والثلاثاء منسوب إلي ثلاثة والأربعاء منسوب إلي أربعة والخميس منسوب إلي خمسة..

كان المفروض أن ينسب يوم الجمعة إلي ستة ولكنه لم ينسب .. لماذا؟ لأنه اليوم
الذي اجتمع فيه للكون نظام وجوده .. فسماه الله تبارك وتعالى الجمعة وجعله لنا عيدا
.. والعيد هو اجتماع كل الكون في هذا اليوم، اجتماع نعمة الله في إيجاد الكون
وتمامها في ذلك اليوم .. فالمؤمنون بالله يجتمعون اجتماع حفاوة بتمام خلق الكون لهم
.. والسبت .. الباء والتاء تفيد معنى القطع .. وسبت ويسبت سبتا إذا انقطع عمله ..
ونلاحظ أن خلق السماوات والأرض تم في ستة أيام مصداقا لقوله تعالى:

{هو
الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيامٍ } (من الآية 4 سورة الحديد)

وكان
تمام الخلق يوم الجمعة .. وفي اليوم السابع وهو يوم السبت .. كان كل شيء قد استقر
وفرغ من خلق الكون .. ولذلك له سبات أي أن هذا اليوم يسمى سباتا .. لأن فيه سكون
الحركة بعد تمام الخلق .. فلما أراد اليهود يوما للراحة أعطاهم الله يوم السبت
وأراد الحق تبارك وتعالى أن يبتليهم في هذا اليوم والابتلاء هو امتحانهم فقد كانوا
يعيشون على البحر وعملهم كان صيد السمك .. وكان الابتلاء في هذا اليوم حيث حرم الله
عليهم فيه العمل وجعل الحيتان التي يصطادونها تأتي إليهم وقد بدت أشرعتها وكانوا
يبحثون عنها طوال الأسبوع وربما لا يجدونها .. وفي يوم السبت جاءتهم ظاهرة على سطح
الماء تسعى إليهم لتفتنهم .. واقرأ قوله سبحانه وتعالى:

{واسألهم عن القرية
التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم
لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون "163"} (سورة الأعراف)


وهكذا يمتلئ سطح البحر بالأسماك والحيتان يوم السبت .. فإذا جاء صباح الأحد
اختفت بعيدا وهم يريدون أن يجعلوا السبت عيدا لهم لا يفعلون فيه أي شيء .. ولكنهم
في الوقت نفسه يريدون أن يحصلوا على هذه الأسماك والحيتان .. صنعوا شيئا اسمه
الحياض العميقة ليحتالوا بها على أمر الله بعدم العمل في هذا اليوم .. وفي الوقت
نفسه يحصلون على الأسماك .. هذه الحياض يدخلها السمك بسهولة .. ولأنها عميقة لا
يستطيع الخروج منها ويتركونه يبيت الليل وفي الصباح يصطادونه .. وكان هذا تحايلا
منهم على مخالفة أمر الله .. والله سبحانه وتعالى لا يحب من يحتال في شيء من
أوامره.

ويقول الله تعالى: "ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا
لهم كونوا قردة خاسئين" .. وهذه قصة مشهورة عند اليهود ومتواترة .. يعلمها الأجداد
للآباء والأباء للأحفاد .. وهي ليست جديدة عليهم وإن كان المخاطبون هم اليهود
المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. ولذلك عندما سمع: "ولقد علمتم" أي لقد
عرفتم ومعنى ذلك أن القصة عندكم معروفة .. وكأنها من قصص التراث التي يتناقلونها ..
وقوله تعالى: "الذين اعتدوا منكم في السبت" .. المفعول هنا واحد هنا حيلة مذكورة
أنهم اعتدوا على أمر الله بالراحة يوم السبت .. هم حقيقة لم يصطادوا يوم السبت ..
ولكنهم تحايلوا على الممنوع بنصب الفخاخ للحيتان والأسماك .. وكانوا في ذلك أغبياء
.. وقد كان الممنوع أن يأخذوا السمك في حيازتهم بالصيد يوم السبت .. ولكنهم أخذوه
في حيازتهم بالحيلة والفخاخ ..
وقوله تعالى: "اعتدوا" أي تجاوزوا حدود الله
المرسومة لهم .. وعادة حين يحرم الله شيئا يأتي بعد التحريم قوله تعالى:


{تلك حدود الله فلا تقربوها } (من الآية 187 سورة البقرة)
لأنه يريد أن
يمنعك من الإغراء .. حتى لا تقع في المعصية فيقول لك لا تقترب .. ولكن بني إسرائيل
اعتدوا على حكم الله متظاهرين بالطاعة وهم عاصون .. وحسبوا أنهم يستطيعون خداع الله
بأنهم طائعون مع أنهم عاصون .. وصدر حكم الله عليهم: "فقلنا لهم كونوا قردة
خاسئين". وعادة أنك لا تأمر إنسانا أمرا إلا إذا كان في قدرته أن يفعله .. الأمر
هنا أن يكونوا قردة. فهل يستطيعون تنفيذه؟ وأن يغيروا خلقتهم إلي قردة .. إنه أمر
في مقدرة الله وحده فكيف يقول لهم كونوا قردة؟ نقول إن الأمر نفسه هنا هو الذي
يستطيع أن يجعلهم قردة .. وهذا الأمر يسمى أمراً تسخيريا ولم يقل لهم كونوا قردة
ليكونوا هم بإرادتهم قردة ولكنه سبحانه بمجرد أن قال كونوا قردة كانوا .. وهذا
يدلنا على انصياع المأمور للأمر وهو غير مختار .. ولو كان لا يريد ذلك ولا يلزم أن
يكونوا قد سمعوا قول الله أو قال لهم .. لأنه لو كان المطلوب منهم تنفيذ ما سمعوه
ربما كان ذلك لازما .. ولكن بمجرد صدور الأمر وقبل أن ينتبهوا أو يعلموا شيئا كانوا
قردة.

ولقد اختلف العلماء كيف تحول هؤلاء اليهود إلي قردة؟ كيف مسخوا؟ قال
بعضهم لقد تم المسخ وهم لا يريدون .. فلما وجدوا أنفسهم قد تحولوا إلي خلق أقل من
الإنسان .. لم يأكلوا ولم يشربوا حتى ماتوا .. وقال بعض العلماء أن الإنسان إذا مسخ
فإنه لا يتناسل، ولذلك فبمجرد مسخهم لم يتناسلوا حتى انقرضوا .. ولماذا لم
يتناسلوا؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

{ولا تزر وازرة وزر أخرى } (من
الآية 164 سورة الأنعام)

ولو أنهم تناسلوا .. لتحمل الأبناء وزر آبائهم ..
وهذا مرفوض عند الله .. إذن فمن رحمة الله أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون
.. ويبقون فترة ثم ينقرضون بالأمراض والأوبئة وهذا ما حدث لهم. قد يقول بعض الناس
لو أنهم مسخوا قردة .. فمن أين جاء اليهود الموجودون الآن؟ نقول لهم أنه لم يكن كل
اليهود عاصين .. ولكن كان منهم أقلية وهي التي عصت ومسخت .. وبقيت الأكثرية ليصل
نسلهم إلينا اليوم .. وقد قال علماء آخرون أن هناك آية في سورة المائدة تقول:


{قل هل أنبئكم بشرٍ من ذلك مثوبةً عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل
منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل "60"}
(سورة المائدة)

إذن هذه قضية قوم غضب الله عليهم ومسخهم قردة وخنازير وعبدة
الطاغوت .. ولقد أخبرنا الله جل جلاله أن اليهود مسخوا قردة .. ولكنه لم يقل لنا
أنهم مسخوا خنازير .. فهل مسخوا قردة؟ ثم بعد ذلك ازداد غضب الله عليهم ومسخوا
خنازير؟ وهل نقلهم الله من إنسانية إلي بهيمية في القيم والإرادة والخلقة؟ نقول
علينا أولا أن ننظر إلي البهيمية التي نقلهم الله إليها .. نجد أن القردة هي
الحيوان الوحيد المفضوح العورة دائما .. وإن عورته لها لون مميز عن جسده .. وأنه لا
يتأدب إلا بالعصا .. واليهود كذلك لم يقبلوا المنهج إلا عندما رفع فوقهم جبل الطور
.. وما هم فيه الآن ليس مسخ خلقه ولكن مسخ خلق .. والخنازير لا يغارون على أنثاهم
وهذه لازمة موجودة في اليهود ..
وعبدة الطاغوت .. الطاغوت هم الطائعون لكل ظالم
يعينونه على ظلمه وهم كذلك. إذن فعملية المسخ هذه سواء تمت مرة واحدة أو على مرتين
مسألة شكلية .. ولكن الله سبحانه وتعالى أعطانا في الآية التي ذكرناها في سورة
المائدة سمات اليهود الأخلاقية .. فكأنهم مسخوا خلقه ومسخوا أخلاقا.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 01:58

(فجعلناهم نكالاً لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين "66")

يريد الله
تبارك وتعالى أن يلفتنا إلي أنه بعد أن جعل المسخة الخلقية والأخلاقية لليهود:
"وجعلناهم نكالا لما بين يديها" أي ما معها: "وما خلفها" أي ما بعدها: "والنكال" هو
العقوبة الشديدة .. والعقوبة لابد أن تنشأ عن تجريم أولا .. هذا هو المبدأ الإسلامي
والمبدأ القانوني .. فرجال القانون يقولون لا عقوبة إلا بتجريم ولا تجريم إلا بنص
.. قبل أن تعاقب لابد أن تقول أن هذا الفعل جريمة عقوبتها كذا وكذا .. وفي هذه
الحالة عندما يرتكبها أي إنسان يكون مستحقا للعقوبة .. ومادام هذا هو الموقف فلابد
من تشريع. والتشريع ليس معناه إن الله شرع العقوبة .. ولكن معناه محاولة منع
الجريمة بالتخويف حتى لا يفعلها أحد .. فإذا تمت الجريمة فلابد من توقيع العقوبة ..
لأن توقيعها عبرة للغير ومنع له من ارتكابها .. وهذا الزجر يسمى نكولا ومنها النكول
في اليمين أي الرجوع فيه.

إذن قوله تعالى: "فجعلناها نكالا" .. أي جعلناهم
زجرا وعقابا قويا .. حتى لا يعود أحد من بني إسرائيل إلي مثل هذه المخالفة: "ونكالا
لما بين يديها" .. أي عقوبة حين يرويها الذين عاصروها تكفي لكيلا يقتربوا من هذه
المعصية أبدا .. وتكون لهم موعظة لا ينسونها: "وما خلفها" يعني جعلناهم تتوارثها
الأجيال من بني إسرائيل جيلا بعد جيل .. كما بيننا الأب يحكي لابنه حتى لا يعود أحد
في المستقبل إلي مثل هذا العمل من شدة العقوبة: "وموعظة للمتقين" .. أي موعظة لكل
الناس الذين سيبلغهم الله تبارك وتعالى بما حدث من بني إسرائيل وما عاقبهم به ..
حتى يقوا أنفسهم شر العذاب يوم القيامة الذي سيكون فيه ألوان أشد كثيرا من هذا
العذاب .. على أننا لابد أن نلفت الانتباه إلي أن مبدأ أنه لا عقوبة إلا بتجريم ولا
تجريم إلا بنص هو مبدأ إلهي .. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى:

{وما كنا
معذبين حتى نبعث رسولاً } (من الآية 15 سورة الإسراء)

أي يأتي الرسول أولا
ليجرم هذه الأفعال .. فإن ارتكبها أحد من خلق الله حقت عليه العقوبة .. ومن هنا فإن
كل ما يقال عن قوانين بأثر رجعي مخالف لشريعة الله تبارك وتعالى وعدله .. فلا يوجد
في عدالة السماء ما يقال عنه أثر رجعي.


**************************************************
***********

(وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا
أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين "67")

تعرضنا إلي هذه
الآية الكريمة في بداية سورة البقرة .. لأن السورة سميت بهذا الاسم .. ونلاحظ هنا
أن الله سبحانه وتعالى أتى بحرف: "وإذ" .. يعني واذكروا: "وإذ قال موسى لقومه إن
الله يأمركم أن تذبحوا بقرة" .. ولم يقل لماذا أمرهم بأن يذبحوا البقرة .. ولابد أن
نقرأ الآيات إلي آخر القصة لنعرف السبب في قوله تعالى:

{وإذ قتلتم نفساً
فادارئتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون "72" فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله
الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون "73" } (سورة البقرة)

والمفروض في كل
الأمور أن الأمر تسبقه علته .. ولكن هذه عظمة القرآن الكريم .. لأن السؤال عن العلة
أولا معناه أن الأمر صادر من مساو لك .. فإذا قال لك إنسان افعل كذا .. تسأله لماذا
حتى أطيع الأمر وأنفذه .. إذن الأمر من المساوي هو الذي تسأل عن علته .. ولكن الأمر
من غير المساوي .. كأمر الأب لابنه والطبيب لمريضه والقائد لجنوده .. مثل هذا الأمر
لا يسأل عن علته قبل تنفيذه .. لأن الذي أصدره أحكم من الذين صدر إليه الأمر .. ولو
أن كل مكلف من الله أقبل على الأمر يسأل عن علته أولا .. فيكون قد فعل الأمر بعلته.
فكأنه قد فعله من أجل العلة .. ومن هنا يزول الإيمان .. ويستوي أن يكون الإنسان
مؤمنا أو غير مؤمن .. ويكون تنفيذ الأمر بلا ثواب من الله..

إن الإيمان
يجعل المؤمن يتلقى الأمر من الله طائعا .. عرف علته أو لم يعرف .. ويقوم بتنفيذه
لأنه صادر من الله .. ولذلك فإن تنفيذ أي أمر إيماني يتم لأن الأمر صادر من الله ..
وكل تكليف يأتي .. علة حدوثه هي الإيمان بالله .. ولذلك فإن الحق سبحانه وتعالى
يبدأ كل تكليف بقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا" .. أي يا من آمنت بالله ربا
وإلها وخالقا .. خذ عن الله وافعل لأنك آمنت بمن أمرك.

في هذه الآيات التي
نحن بصددها أراد الله تعالى أن يبين لنا ذلك. فجاء بالأمر بذبح البقرة أولا ..
وبالعلة في الآيات التي روت لنا علة القصة .. وأنت حين تعبد الله فكل ما تفعله هو
طاعة لله سبحانه وتعالى .. سواء عرفت العلة أو لم تعرفها؛ فأنت تؤدي الصلاة لأن
الله تبارك وتعالى أمرك بأن تصلي .. فلو أديت الصلاة على أنها رياضة أو أنها وسيلة
للاستيقاظ المبكر .. أو أنها حركات لازمة لليونة المفاصل فإن صلاتك تكون بلا ثواب
ولا أجر .. إن أردت الرياضة فاذهب إلي أحد النوادي وليدربك أحد المدربين لتكون
الرياضة على أصولها .. وأن أردت اللياقة البدنية فهناك ألف طريقة لذلك .. وإن أردت
عبادة الله كما أمرك الله فلتكن صلاتك التي فرضها الله عليك لأن الله فرضها وكذلك
كل العبادات الأخرى .. الصوم ليس شعورا بإحساس الجائع .. ولا هو طريقة لعمل الرجيم
ولكنه عباده .. إن لم تصم تنفيذا لأمر الله بالصوم فلا ثواب لك .. وإن جعلت للصيام
أي سبب إلا العبادة فإنه صيام لا يقبله الله .. والله أغنى الشركاء عن الشرك .. فمن
أشرك معه أحد ترك الله عمله لمن أشركه .. وكذلك كل العبادات.
هذا هو المفهوم
الإيماني الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يلفتنا إليه في قصة بقرة بني إسرائيل ..
ولذلك لم يأت بالعلة أو السبب أولا .. بل أتى بالقصة ثم أخبرنا سبحانه في آخرها عن
السبب .. وسواء أخبرنا الله عن السبب أو لم يخبرنا فهذا لا يغير في إيماننا بحقيقة
ما حدث .. وإن القصة لها حكمة وإن خفيت علينا فهي موجودة. قوله تعالى: "إن الله
يأمركم أن تذبحوا بقرة" .. أعطى الله تبارك وتعالى الأمر أولا ليختبر قوة إيمان بني
إسرائيل .. ومدى قيامهم بتنفيذ التكليف دون تلكؤ أو تمهل .. ولكنهم بدلا من أن
يفعلوا ذلك أخذوا في المساومة والتباطؤ:
"وإذ قال موسى لقومه" .. كلمة قوم تطلق
على الرجال فقط .. ولذلك يقول القرآن الكريم:

{يا أيها الذين آمنوا لا يسخر
قوم من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساءٍ عسى أن يكن خيراً منهن }
(من الآية 11 سورة الحجرات)

إذن قوم هم الرجال .. لأنهم يقومون على شئون
أسرهم ونسائهم .. ولذلك يقول الشاعر العربي:
وما أدرى ولست أخال أدري
أقوم
آل حصنٍ أم نساء
فالقوامة للرجال .. والمرأة حياتها مبنية على الستر في بيتها
.. والرجال يقومون لها بما تحتاج إليه من شئون .. والمفروض أن المرأة سكن لزوجها
وبيتها وأولادها وهي في هذا لها مهمة اكبر من مهمة الرجال ..

قوله تعالى:
"إن الله يأمركم" .. الأمر طلب فعل. وإذا كان الآمر أعلى من المأمور نسميه أمرا ..
وإذا كان مساويا له نسميه التماسا .. وإذا كان إلي أعلى نسميه رجاء ودعاء .. على
أننا لابد أن نلتفت إلي قوله تعالى على لسان زكريا:

{هنالك دعا زكريا ربه
قال رب هب لي من لدنك ذريةً طيبةً } (من الآية 38 سورة آل عمران)

هل هذا
أمر من زكريا؟ طبعا لا. لأنه دعاء والدعاء رجاء من الأدنى إلي الأعلى
..

قوله تعالى: "الله يأمركم" .. لو أن إنسانا يعقل أدنى عقل ثم يطلب منه أن
يذبح بقرة .. أهذه تحتاج إلي إيضاح؟ لو كانوا ذبحوا بقرة لكان كل شيء قد تم دون أي
جهد .. فمادام الله قد طلب منهم أن يذبحوا بقرة .. فكل ما عليهم هو التنفيذ .. ولكن
انظر إلي الغباء حتى في السؤال .. إنهم يريدون أن يفعلوا أي شيء لإبطال التكليف ..
لقد قالوا لموسى نبيهم إنك تهزأ بنا .. أي أنهم استنكروا أن يكلفهم الله تبارك
وتعالى بذبح بقرة على إطلاقها دون تحديد .. فاتهموا موسى أنه يهزأ بهم .. كأنهم
يرون أن المسألة صعبة على الله سبحانه وتعالى .. لا يمكن أن تحل بمجرد ذبح بقرة ..
وعندما سمع موسى كلامهم ذهل .. فهل هناك نبي يهزأ بتكليف من تكليفات الله تبارك
وتعالى .. أينقل نبي الله لهم أمرا من أوامر الله جل جلاله على سبيل الهزل؟
هنا
عرف موسى أن هؤلاء اليهود هم جاهلون .. جاهلون بربهم وبرسولهم وجاهلون بآخرتهم ..
وأنهم يحاولون أن يأخذوا كل شيء بمقاييسهم وليس بمقاييس الله سبحانه وتعالى ..
فاتجه إلي السماء يستعيذ بالله من هؤلاء الجاهلين .. الذين يأتيهم اليسر فيريدونه
عسرا. ويأتيهم السهل فيريدونه صعبا .. ويطلبون من الله أن يعنتهم وأن يشدد عليهم
وأن يجعل كل شيء في حياتهم صعبا وشاقا.


************************************************** *******

(
قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين
ذلك فافعلوا ما تؤمرون "68")

وكان سؤالهم يبين نقص درجة الإيمان عندهم ..
لم يقولوا ادع لنا ربنا .. بل قالوا ادع لنا ربك، وكأنه رب موسى وحده .. ولقد تكررت
هذه الطريقة في كلام بني إسرائيل عدة مرات .. حتى إنهم قالوا كما يروي لنا القرآن
الكريم:

{فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } (من الآية 24 سورة
المائدة)

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 01:59

سورة البقرة

(ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من
الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما
يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون "74")

لماذا ذكر الحق سبحانه
وتعالى القلب ووصفه بأنه يقسو ولم يقل نفوسكم ـ لأن القلب هو موضوع الرقة والرحمة
والعطف .. وإذا ما جعلنا القلب كثير الذكر لله فإنه يمتلئ رحمة وعطفا ..
والقلب
هو العضو الذي يحسم مشاكل الحياة .. فإذا كان القلب يعمر باليقين والإيمان .. فكل
جارحة تكون فيها خميرة الإيمان. وحتى نعرف قوة وقدرة وسعة القلب على الإيمان
واحتوائه أوضح الله تعالى هذا المعنى في كتابه العزيز حيث يقول:

{الله نزل
أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم
وقلوبهم إلي ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هادٍ
"23" }
(سورة الزمر)

وهكذا نرى أن الجلود تقشعر من هول الوعيد بالنار
.. ومجرد قراءة ما ذكره القرآن عنها .. وبعد ذلك تأتي الرحمة، وفي هذه الحالة لا
تلين الجلود فقط ولكن لابد أن تلين القلوب لأنها هي التي تعطي اللمحة الإيمانية لكل
جوارح الجسد ..


إذن فالقلب هو منبع اليقين ومصب الإيمان، وكما أن
الإيمان في القلب فإن القسوة والكفر في القلب ..
فالقلب حينما ينسى ذكر الله
يقسو .. لماذا؟ .. لأنه يعتقد أنه ليس هناك إلا الحياة الدنيا وإلا المادة فيحاول
أن يحصل منها على أقصى ما يستطيع وبأي طريقة فلا تأتي إلا بالظلم والطغيان وأخذ
حقوق الضعفاء، ثم لا يفرط فيها أبدا لأنها هي منتهى حياته فلا شيء بعدها. أنه يجد
إنساناً يموت أمامه من الجوع ولا يعطيه رغيفا .. وإذا خرج الإيمان من القلب خرجت
منه الرحمة وخرج منه كل إيمان الجوارح .. فلمحة الإيمان التي في اليد تخرج فتمتد
اليد إلي السرقة والحرام .. ولمحة الإيمان التي في العين تخرج فتنظر العين إلي كل
ما حرم الله. ولمحة الإيمان التي في القدم تخرج فلا تمشي القدم إلي المسجد أبدا
ولكنها تمشي إلي الخمارة وإلي السرقة .. لأنه كما قلنا القلب مخزن الإيمان في
الجسم.

ويشبه الحق تبارك وتعالى قسوة قلوبهم فيقول: "فهي كالحجارة أو أشد
قسوة" .. الحجارة هي الشيء القاسي الذي تدركه حواسنا ومألوف لنا ومألوف لبني
إسرائيل أيضا .. لأن لهم مع الحجارة شوطا كبيرا عندما تاهوا في الصحراء .. وعندما
عطشوا وكان موسى يضرب لهم الحجر بعصاه.
الله تبارك وتعالى لفتهم إلي أن المفروض
أن تكون قلوبهم لينة ورفيقة حتى ولو كانت في قسوة الحجارة .. ولكن قلوبهم تجاوزت
هذه القسوة فلم تصبح في شدة الحجارة وقسوتها بل هي أشد. ولكن كيف تكون القلوب أشد
قسوة من الحجارة .. لا تنظر إلي ليونة مادة القلوب ولكن انظر إلي أدائها لمهمتها.

الجبل قسوته مطلوبة لأن هذه مهمته أن يكون وتداً للأرض صلبا قويا، ولكن هذه
القسوة ليست مطلوبة من القلب وليست مهمته .. أما قلوب بني إسرائيل فهي أشد قسوة من
الجبل .. والمطلوب في القلوب اللين، وفي الحجارة القسوة .. فكل صفة مخلوقة لمخلوق
ومطلوبة لمهمة .. فالخطاف مثلا أعوج هذا العوج يجعله يؤدي مهمته على الوجه الأكمل
.. فعوج الخطاف استقامة لمهمته .. وحين تفسد القلوب وتخرج عن مهمتها تكون أقسى من
الحجارة .. وتكون على العكس تماما من مهمتها.. ثم يقول الحق تبارك وتعالى:


{وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء
}
(من الآية 74 سورة البقرة)

هنا يذكرهم الله لما رأوه من الرحمة
الموجودة في الحجارة .. عندما ضرب موسى الحجر بالعصا فانفجرت منه العيون. وذلك مثل
حسي شهدوه. يقول لهم الحق جل جلاله: أن الرحمة تصيب الحجارة فيتفجر منها الأنهار
ويخرج منها الماء ويقول سبحانه: "وإن منها لما يهبط من خشية الله" ..
إذن
فالحجارة يصيبها اللين والرحمة فيخرج منها الماء. ولكن قلوبكم إذا قست لا يصيبها
لين ولا رحمة فلا تلين أبدا ولا تخشع أبدا. والله سبحانه وتعالى نزل عليكم التوراة
وأعطاكم من فضله ورحمته وستره ومغفرته الكثير .. كان المفروض أن تلين قلوبكم لذكر
الله.

ولكن ما الفرق بين تفجر الأنهار من الحجارة وبين تشققها ليخرج منها
الماء؟
عندما تتفجر الحجارة يخرج منها الماء. نحن نذهب إلي مكان الماء لنأخذ
حاجتنا .. ولكن عندما تتفجر منها الأنهار فالماء هو الذي يأتي إلينا ونحن في
أماكننا ..
وفرق بين عطاء تذهب إليه وعطاء يأتي إليك ..
أما هبوط الحجر من
خشية الله فذلك حدث عندما تجلى الله للجبل فجعله دكا. واقرأ قوله تعالى:


{فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً } (من الآية 143 سورة
الأعراف)

يذكرهم الحق سبحانه كيف أن الجبل حين تجلى الله له هبط وانهار من
خشية الله. وهكذا لا يعطيهم الأمثلة مما وقع لهم.

وقوله تعالى: "وما الله
بغافل عما تعملون" أي تذكروا أن الله سبحانه وتعالى لا يغيب عنه شيء وأن كل ما
تعلمونه يعرفه وأنكم ملاقونه يوم القيامة ومحتاجون إلي رحمته ومغفرته، فلا تجعلوا
قلوبكم تقسو حتى لا يطردكم الله من رحمته كما خلت قلوبكم من ذكره.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 01:59

ولقد استمر الحوار بينهم وبين موسى فترة طويلة .. يوجهون السؤال لموسى فيدعو الله
فيأتيه الجواب من الله تبارك وتعالى .. فبدلا من أن ينفذوا الأمر وتنتهي المسألة
يوجهون سؤالا آخر .. فيدعو موسى ربه فيأتيه الجواب، ويؤدي الجواب إلي سؤال في غير
محله منهم .. ثم يقطع الحق سبحانه وتعالى عليهم أسباب الجدل .. بأن يعطيهم أوصافا
لبقرة لا تنطبق إلا على بقرة واحدة فقط .. فكأنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم
..

نأتي إلي أسئلة بني إسرائيل .. يقول الحق سبحانه وتعالى: "قالوا ادع لنا
ربك يبين لنا ما هي" .. سؤال لا معنى له ولا محل .. لأن الله تبارك وتعالى قال لهم
إنها بقرة .. ولم يقل مثلا إنها حيوان على إطلاقه فلم يكن هناك محل للسؤال .. فجاء
الحق تبارك وتعالى يقول لهم: "إنها بقرة لا فارض ولا بكر" .. الفارض في اللغة هو
الواسع والمراد به بقرة غير مسنة .. ولكن ما العلاقة بين سن البقرة وبين الواسع؟
البقرة تتعرض للحمل كثيرا وأساسا هي للبن وللإنجاب .. ومادامت قد تعرضت للحمل كثيرا
يكون مكان اللبن فيها في اتساع .. أي أن بطنها يزداد اتساعا مع كل حمل جديد ..
وعندما يكون بطن البقرة واسعاً يعرف أنها مسنة وولدت كثيرا وصارت فارضا.
وكلمة
"بكر" لها معانٍ متعددة منها أنه لم يطأها فحل .. ومنها أنها بكر ولدت مرة واحدة ..
ومنها أنها ولدت مرارا ولكن لم يظهر ذلك عليها لأنها صغيرة السن.

وقوله
تعالى: "عوان بين ذلك" .. يعني وسط بين هذه الأوصاف كلها .. الحق بعد ذلك يقرعهم
فيقول: "فافعلوا ما تؤمرون" .. يعني كفاكم مجادلة ونفذوا أمر الله واذبحوا البقرة
.. ولكنهم لم يسكنوا أنهم يريدون أن يحاوروا..


**************************************************
****************

(قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها
بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين "69")

بحثوا عن سؤال آخر: ما لونها؟ كأن
الله تبارك وتعالى حين حدثهم عن السن فتحوا الأبواب ليسألوا ما لونها؟ مع أنه
سبحانه وتعالى قال لهم: "فافعلوا ما تؤمرون" .. فلم يفعلوا بل سألوا ما لونها؟ "قال
إنه يقول إنها بقرة صفراء" والصفرة لون من الألوان .. ثم قال جل جلاله: "فاقع
لونها" .. يعني صفرة شديدة .. ثم قال: "تسر الناظرين" .. يعني أن كل من ينظر إليها
يسر لنضارتها ونظافتها وحسن مظهرها وتناسق جسدها..
وصف البقرة بأنها صفراء هذا
لون معروف .. وفي الألوان لا يمكن أن تحدد لونا إلا برؤيته .. ولذلك فإن المحسات في
الألوان لابد أن تسبق معرفتها وبعد ذلك تأتي باللون المطلوب .. لذلك لا يقال صفراء
فقط لأنك لا تستطيع تحديده؛ لأن اللون الأصفر له درجات لا نهاية لها .. ومزج
الألوان يعطيك عدداً لا نهائيا من درجاتها .. ولذلك فإن المشتغلين بدهان المنازل لا
يستطيعون أن يقوموا بدهان شقة بلون إلا إذا قام بعمل مزيج اللون كله مرة واحدة ..
حتى يخرج الدهان كله بدرجة واحدة من اللون .. ولكن إذا طلبت منه أن يدهن الشقة
باللون نفسه .. بشرط أن يدهن حجرة واحدة كل يوم فإنه لا يستطيع .. فإذا سمعت صفراء
يأتي اللون الأصفر إلي ذهنك .. فإذا سمعت "فاقع" فكل لون من الألوان له وصف يناسبه
يعطينا دقة اللون المطلوب .. "فاقع" أي شديد الصفرة.
أظن أن المسألة قد أصبحت
واضحة .. إنها بقرة لونها أصفر فاقع تسر الناظرين .. وكان من المفروض أن يكتفي بنو
إسرائيل بذلك ولكنهم عادوا إلي السؤال مرة أخرى.


********************************************
( قالوا ادع لنا ربك يبين
لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون "70")

وبرغم أن
ما قيل لبني إسرائيل .. واضح تمام الوضوح عن البقرة .. وعمرها وشكلها ولونها
ومنظرها .. فإن الله سبحانه وتعالى أراد أن يؤدبهم فجعلهم ينظرون إلي البقر .. وهذا
يقول هذه هي والآخر يقول لا بل هي في مكان كذا .. والثالث يقول لا بل هي في موقع
كذا .. وعادوا إلي موسى يسألونه أن يعود إلي ربه ليبين لهم لأن البقر تشابه عليهم
.. وهنا ذكروا الله الذي نسوه ولم ينفذوا أمره منذ أن قال لهم اذبحوا بقرة ثم قال
لهم: "افعلوا ما تؤمرون" .. فطلبوا منه الهداية بعد أن تاهوا وضاعوا بسبب عنادهم
وجدلهم .. وجاء الجواب من الله سبحانه وتعالى.


************************************************** ********

(قال
إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا
الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون "71")

"بقرة لا ذلول" .. البقرة
الذلول هي البقرة المروضة الممرنة تؤدي مهمتها بلا تعب .. تماما مثل الخيل المروضة
التي لا تتعب راكبها لأنها تم ترويضها .. وسيدنا إسماعيل هو أول من روض الخيل
وساسها .. وقال الله سبحانه وتعالى لهم أول وصف للبقرة أنها ليست مروضة .. لا أحد
قادها ولا قامت بعمل .. إنها انطلقت على طبيعتها وعلى سجيتها في الحقول بدون قائد
.. "تثير الأرض" أي لم تستخدم في حراثة الأرض أو فلاحتها .. "ولا تسقي الحرث" .. أي
لم تستخدم في إدارة السواقي لسقية الزرع .. "مسلمة لا شية فيها" أي خالية من العيوب
لا أذنها مثقوبة. ولا فيها أي علامة من العلامات التي يميز الناس أبقارهم بها ..
ولا رجلها عرجاء، خالية من البقع والألوان غير اللون الأصفر الفاقع .. وكلمة "لا
شية فيها" .. أي لا شيء فيها.

والمتأمل في وصف البقرة كما جاء في الآيات
يرى الصعوبة والتشدد في اختيار أوصافها .. كأن الحق تبارك وتعالى يريد أن يجازيهم
على أعمالهم .. ولم يجد بنو إسرائيل إلا بقرة واحدة تنطبق عليها هذه المواصفات
فقالوا "الآن جئت بالحق" كأن ما قاله موسى قبل ذلك كان خارجا عن نطاق
الحق.
وذبحوا البقرة ولكن عن كره منهم .. لأنهم كانوا حريصين على ألا يذبحوها،
حرصهم على عدم تنفيذ المنهج. هم يريدون أن يماطلوا الله سبحانه وتعالى .. والله
يقول لنا أن سمة المؤمنين أن يسارعوا إلي تنفيذ تكاليفه .. واقرأ قوله تعالى:


{وسارعوا إلي مغفرةٍ من ربكم وجنةٍ عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين
"133"}
(سورة آل عمران)

وهذه السرعة من المؤمنين في تنفيذ التكاليف ..
دليل على عشق التكليف .. لأنك تسارع لتفعل ما يطلبه منك من تحبه ..
وقوله
تعالى: "وما كادوا يفعلون" .. يدلنا على أنهم حاولوا الإبطاء في التنفيذ والتلكؤ.
أننا لابد أن نلتفت إلي أن تباطؤ بني إسرائيل في التنفيذ خدم قضية إيمانية أخرى ..
فالبقرة التي طلبها الله منهم بسبب عدم قيامهم بتنفيذ الأمر فور صدوره لهم بقرة
نادرة لا تتكرر .. والمواصفات التي أعطيت لهم في النهاية .. لم تكن تنطبق إلا على
بقرة واحدة ليتحكم صاحبها في ثمنها ويبيعها بأغلى الأسعار ..

والقصة أنه
كان هناك في بني إسرائيل رجل صالح .. يتحرى الحلال في الرزق والصدق في القول
والإيمان الحقيقي بالله. وعندما حضرته الوفاة كان عنده عجلة وكان له زوجة وابنهما
الصغير .. ماذا يفعل وهو لا يملك سوى العجلة اتجه إلي الله وقال: اللهم إني استودعك
هذه العجلة لولدي، ثم أطلقها في المراعي .. لم يوص عليها أحداً ولكن استودعها الله.
استودعها يد الله الأمينة على كل شيء .. ثم قال لامرأته إني لا أملك إلا هذه العجلة
ولا آمن عليها إلا الله .. ولقد أطلقتها في المراعي..
وعندما كبر الولد قالت له
أمه: إن أباك قد ترك لك وديعة عند الله وهي عجلة .. فقال يا أمي وأين أجدها؟ ..
قالت كن كأبيك هو توكل واستودع، وأنت توكل واسترد .. فقال الولد: اللهم رب إبراهيم
ورب موسى .. رد إلي ما استودعه أبي عندك .. فإذا بالعجلة تأتي إليه وقد أصبحت بقرة
فأخذها ليريها لأمه .. وبينما هو سائر رآه بنو إسرائيل. فقالوا أن هذه البقرة هي
التي طلبها الرب .. وذهبوا إلي صاحب البقرة وطلبوا شراءها فقال بكم .. قالوا بثلاثة
دنانير .. فذهب ليستشير أمه فخافوا أن ترفض وعرضوا عليه ستة دنانير .. قالت أمه لا
.. لا تباع .. فقال الابن لن أبيعها إلا بمليء جلدها ذهبا، فدفعوا له ما أراد ..
وهكذا نجد صلاح الأب يجعل الله حفيظا على أولاده يرعاهم وييسر لهم

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 01:59

(وإذ قتلتم نفساً فادارءتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون "72")

قصة
القتيل هي أن رجلا ثريا من بني إسرائيل لم يكن له ولد يرثه .. وكان له أقارب كل
منهم يريد أن يستأثر بأموال هذا الرجل .. والمال والذهب هما حياة بني إسرائيل ..
فتآمر على هذا الرجل الثري ابن أخيه فقتله ليرثه ويستولي على أمواله .. ولكنه أراد
أن يبعد التهمة عن نفسه فحمل الجثة وألقاها على باب قرية مجاورة ليتهم أهلها بقتل
الثري .. وفي الصباح قام أهل القرية ووجدوا جثة الثري أمام قريتهم .. ووجدوه غريبا
عن القرية فسألوا من هو؟ حتى وصلوا إلي ابن أخيه .. فتجمع أهل القتيل واتهموهم
بقتله .. وكان أشدهم تحمسا في الاتهام القاتل ابن أخيه..

وقوله تعالى
"إدارأتم فيها" الدرأ هو الشيء حين يجئ إليك وكل واحد ينفيه عن نفسه .. إدارأتم أي
أن كلا منكم يريد أن يدفع الجريمة عن نفسه فكل واحد يقول لست أنا .. وليس من
الضروري أن يتهم أحد آخر غيره .. المهم أن يدفعها عن نفسه. ولقد حاول أهل القريتين
.. قرية القتيل، والقرية التي وجدت أمامها الجثة. أن يدفع كل منهما شبهة الجريمة عن
نفسه وربما يتهم بها الآخر .. ولم يكن هناك دليل دامغ يرجح اتهاما محددا. بل كانت
الأدلة ضائعة ولذلك استحال توجيه اتهام لشخص دون آخر أو لقرية دون أخرى.
وكان
التشريع في ذلك الوقت ينص على أنه إذا وجد قتيل على باب قرية ولم يستدل على قاتله
.. فإن قرية القتيل وأهله يأخذون خمسين رجلا من أعيان القرية التي وجدت بجوارها
الجثة .. فيلقوا اليمين بأنهم ما قتلوه .. ولا علموا قاتله .. وإذا كان الأعيان
والأكابر أقل من خمسين رجلا .. تكررت الإيمان حتى تصير خمسين يمينا .. فيحلفون أنهم
ما قتلوه ولا يعرفون قاتله .. عندما يتحمل بيت المال دية القتيل..

ولكن
الله كان يريد شيئا آخر .. يريد أن يرد بهذه الجريمة على جحود بني إسرائيل باليوم
الآخر .. ويجعل الميت يقف أمامهم وينطق اسم قاتله .. ويجعلهم يرون البعث وهم أحياء
.. ولذلك قال سبحانه وتعالى: "والله مخرج ما كنتم تكتمون" .. أي أن بني إسرائيل أو
أولئك الذين ارتكبوا الجريمة دبروها على أن تبقى في طي الكتمان فلا يعلم أحد عنها
شيئا .. ولذلك جاء الشاب وقتل عمه دون أن يراه أحد .. ثم حمل الجثة خفية في ظلام
الليل وخرج بها فلم يلتفت أحد إليه .. ثم ذهب إلي قرية مجاورة وألقى بالجثة على باب
القرية وأهلها نائمون وانصرف عائدا .. كانت كل هذه الخطوات في رأيه ستجعل الجريمة
غامضة لا تنكشف أبدا ولا يعرف سرها أحد. ولكن الله تبارك وتعالى أراد غير ذلك ..
أراد أن يكشف الجريمة بطريقة لا تحتمل الجدل، وفي نفس الوقت يرد على جحود بني
إسرائيل للبعث .. بأن يريهم البعث وهم أحياء.


********************************

(فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى
الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون "73")

احتدم الخلاف بين بني إسرائيل
وكادت تحدث فتنة كبيرة .. فقرروا أن يلجأوا إلي موسى عليه السلام ليطلب من الله
تبارك وتعالى أن يكشف لهم لغز هذه الجريمة ويدلهم على القاتل .. وجاء الأمر من الله
سبحانه وتعالى أن اذبحوا البقرة ولو ذبحوا بقرة أية بقرة لانتهت المشكلة .. ولكنهم
ظلوا يقولون ما لونها وما شكلها إلي آخر ما رويناه .. حتى وصلوا إلي البقرة التي
كان قد استودعها الرجل الصالح عند الله حتى يكبر ابنه فاشتروها وذبحوها .. فأمرهم
الله أن يضربوه ببعضها. أي أن يضربوا القتيل بجزء من البقرة المذبوحة بعد أن سال
دمها وماتت..

وانظر إلي العظمة في القصة .. جزء من ميت يضرب به ميت فيحيا
.. إذن المسألة أعدها الحق بصورة لا تجعلها يشكون أبدا .. فلو أن الله أحياه بدون
أن يضرب بجزء من البقرة. لقالوا لم يكن قد مات، كانت فيه حياه ثم أفاق بعد اغماءة.
ولكن الله أمرهم أن يذبحوا بقرة حتى تموت ليعطيهم درسا إيمانيا بقدرة الله وهم
الماديون الذين لا يؤمنون إلا بالماديات .. وأن يأخذوا جزءاً أو أجزاء منها وأن
يضربوا به القتيل فيحيا وينطق باسم قاتله ويميته الله بعد ذلك..

يقول الحق
جل جلاله .. "كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون" ليرى بنو إسرائيل
وهم على قيد الحياة كيف يحيى الله الموتى وليعرفوا أن الإنسان لا يبقى حيا بأسباب
الحياة .. ولكن بإرادة مسبب الحياة في أن يقول "كن فيكون".

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 02:00

هنا قسم الله تبارك وتعالى اليهود إلي أقسام .. منهم قسم أمي لا يعرفون الكتاب وما
يقوله لهم أحبارهم هو الذي يعرفونه فقط .. وهؤلاء ربما لو كانوا يعلمون ما في
التوراة .. من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم لآمنوا به .. والكتاب هنا يقصد به
التوراة .. والله سبحانه وتعالى لم ينف عنهم مطلق العلم .. ولكنه نفى خصوصية العلم،
لأنه قال لا يعلمون إلا أماني .. فكأن الأماني يعلمونها من الكتاب. ولكن ما
الأماني؟ .. إنها تطلق مرة بدون تشديد الياء ومرة بتشديد الياء .. فإن كانت التخفيف
تكون جمع أمنية .. وإن كانت بالتشديد تكون جمع أمنية بالتشديد على الياء .. الأمنية
تجدها في القرآن الكريم في قوله تعالى:

{ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب
من يعمل سوءاً يجز به } (من الآية 123 سورة النساء)

هذه بالنسبة للجمع. أما
بالنسبة للمفردة .. في قوله تعالى:

{وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نبيٍ
إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته }
(من الآية 52 سورة الحج)

ما هي
الأمنية؟ .. الأمنية هي الشيء الذي يحب الإنسان أن يحدث ولكن حدوثه مستحيل .. إذن
لن يحدث ولن يكون له وجود .. ولذلك قالوا إن من معاني التمني اختلاق الأشياء ..
الشاعر الذي قال:
ألا ليـت الشـباب يـعـود يـومـاً
فأخـبره بـمـأ فـعـل
المشـيـب
هل الشباب يمكن أن يعود؟ .. طبعاً مستحيل .. هذا شيء لن يحدث ..
والشاعر الذي قال:
ليـت الكـواكب تـدنو لي فأنظمـها
عقـود مـدحٍ فـما أرضي
لـكم كـلم
هل النجوم ستنزل من السماء وتأتي إلي هذا الشاعر .. ينظمها أبيات شعر
إلي حبيبته .. إذن من معاني التمني الكذب والاختلاق.
ولقد فسر بعض المستشرقين
قول الله تبارك وتعالى: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى (أي
قرأ): "ألقى الشيطان في أمنيته" (أي في قراءته) .. وطبعا الشيطان لن يلقي في قراءة
الرسول إلا كذبا وافتراء وكفرا .. اقرأ قوله سبحانه:

{أفرأيتم اللات والعزى
"19" ومناة الثالثة الأخرى "20" ألكم الذكر وله الأنثى "21" تلك إذا قسمة ضيزى }
(سورة النجم)

قال أعداء الإسلام مادام قد ذكر في القرآن أسماء الغرانيق ..
وهي الأصنام التي كان يعبدها الكفار .. ومنها اللات والعزى قال أعداء الإسلام مادام
قد ذكر في القرآن الغرانيق .. وهي الأصنام التي كان يعبدها الكفار .. ومنها اللات
والعزى ومناة الثالثة الأخرى .. إذن فشفاعة هذه الأصنام ترتجي في الآخرة .. وهذا
كلام لا ينسجم مع منطق الدين كله يدعو لعبادة الله وحده .. وخرج المستشرقون من ذلك
بأن الدين فعلا يدعو لعبادة الله وحده .. إذن فيكون الشيطان قد ألقى في أمنيته فيما
يقوله رسول الله .. ثم أحكم الله سبحانه آياته فقال تعالى:

{إن هي إلا
أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان}
(من الآية 23 سورة
النجم)
وهم يريدون بذلك أن يشككوا .. في أنه من الممكن أن يلقي الشيطان بعض
أفكاره في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ولكن الله سبحانه ينسخ ما يلقي
الشيطان ويحكم آياته.
إن الله جل جلاله لم يترك وحيه لعبث الشيطان .. ولذلك
سنبحث الآية بعيداً عن كل ما قيل ..

نقول لو أنك تنبهت إلي قول الله تعالى:
(وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى) لو قلنا تمنى بمعنى قرأ، ثم أن
الله ينسخ ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته .. إذن هو سبحانه لن يترك رسوله يخطئ
.. وبذلك ضمنا أن كل ما ينتهي إليه الرسول صواب .. وأن كل ما وصلنا عن الرسول محكم
.. فنطمئن إلي أنه ليس هناك شيء يمكن أن يلقيه الشيطان في تمني الرسول ويصلنا دون
أن ينسخ.
فإذا قلنا: إن الله ينسخ ما يلقي الشيطان فما الذي جعلكم تعرفون ما
ألقاه الشيطان مادام رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل لكم إلا المحكم .. ثم من
هو الرسول؟ بشر أوحى إليه بمنهج من السماء وأمر بتبليغه .. ومن هو النبي؟ .. بشر
أوحى إليه بمنهج. ولم يؤمر بتبليغه .. ومادام لم يؤمر بتبليغه يكون خاصا بهذا النبي
.. ويكون النبي قدوة سلوكية .. لأنه يطبق منهج الرسول الذي قبله فهو لم يأت بجديد.


الآية الكريمة جاءت بكلمتي رسول أو نبي .. إذا كان معنى أمنية الشيطان
مستقيما بالنسبة للرسول فهو غير مستقيم بالنسبة للنبي .. لأن النبي لا يقرأ شيئاً،
ومادام النبي ذكر في الآية الكريمة فلابد أن يكون للتمني معنى آخر غير القراءة ..
لأن النبي لم يأت بكلام يقرؤه على الناس .. فكأنه سيقرأ كلاما محكما ليس فيه أمنية
الشيطان أي قراءته. إن التمني لا يأتي بمعنى قراءة الشيطان .. وأمنية الرسول والنبي
أن ينجحا في مهمتهما .. فالرسول كمبلغ لمنهج الله، النبي كأسوة سلوكية .. المعنى
هنا يختلف .. الرسول أمنيته أن يبلغ منهج الله .. والشيطان يحاول أن ينزع المنهج من
قلوب الناس .. وهذا هو المعنى .. والله سبحانه وتعالى حين يحكم آياته ينصر الإيمان
ليسود منهج الله في الأرض وتنتظم حركة الناس .. هذا هو المعنى.

وكلمة تمني
في هذه الآية الكريمة بمعنى أن الرسول أو النبي يحب أن يسود منهجه الأرض ..
والشيطان يلقي العراقيل والله يحكم آياته وينصر الحق. ويجب أن نفهم الآية على هذا
المعنى .. وبهذا ينتفي تماما ما يدعيه المستشرقون من أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم حينما كان يقرأ ما يوحي إليه يستطيع الشيطان أن يتدخل ويضع كلاما في الوحي ..
مستحيل.

وقوله تعالى: "ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني" .. معناها
أنه يأتي قوم لا يعرفون شيئاً عن الكتاب إلا ظنا .. فيصدقهم هؤلاء الأميون دون علم
.. وكان الله سبحانه يريد أن يلفتنا إلي أن كثيرا من المذاهب الدينية في الأرض ينشأ
عن المبلغين لها .. فهناك أناس يأتمنون آخرين ليقولوا لهم ما انتهت إليه الأحكام
الدينية .. فيأتي الأمي أو غير المثقف يسأل عالما عن حكم من الأحكام الشرعية .. ثم
يأخذ منه الحكم ويطبقه دون أن يناقشه .. لأن علمه قد انتهى عند السؤال عن الفتوى ..
والحق سبحانه وتعالى ما يقول:
{ولا تزر وازرة وزر أخرى} (من الآية 164 سورة
الأنعام)

أي لا يحمل أحد ذنب أحد يوم القيامة .. فيقول تعالى:


{ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علمٍ}

(من الآية 25 سورة النحل)

بعض الناس يظن أن الآيتين بينهما تعارض ..
نقول لا .. ومن يرتكب إثما يحاسب عليه .. ومن يضل غيره بفتوى غير صحيحة يحل له بها
ما حرم الله .. فإنه يحمل معاصيه ومعاصي من أضل .. فيكون له وزر لأنه ضل، ووزر لأنه
أضل غيره .. بل وأكثر من ذلك ..



ولابد أن نتنبه إلي خطورة الفتوى
في الدين بغير علم .. الفتوى في الدنيا أقصى ما يمكن أن تؤدي إليه هو أن تجعلك تخسر
صفقة .. لكن الفتوى في الدين ستدوم عمرا طويلا ..

الحق تبارك وتعالى يقول:
"إن هم إلا يظنون" والظن كما قلنا هو نسبة راجحة ولكن غير مؤكدة .. وإذا كان التمني
كما ورد في اللغة هو القراءة .. فهؤلاء الأميون لا يعلمون الكتاب إلا قراءة لسان
بلا فهم .. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى عن اليهود:

{مثل الذين حملوا
التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً } (من الآية 5 سورة الحج)


وهكذا نرى أن هناك صنفا يحمل التوراة وهو لا يعرف عنها شيئا ..
والله
جل جلاله قال إن مثله كالحمار .. ولكن أقل من الحمار، لأن الحمار مهمته أن يحمل
الأثقال .. ولكن الإنسان ليست مهمته أن يحمل ما يجهل .. ولكن لابد أن يقرأ الكتاب
ويعلم المطلوب منه.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 02:00

سورة البقرة

(فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله
ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون "79")


هذه الآية الكريمة جاءت في القسم الثاني من اليهود وهو المقابل للأميين ..
وهم إما أميون لا يعلمون الكتاب .. وإما يعلمون ولكنهم يغيرون فيه ويكتبونه بأيديهم
ويقولون هذا من عند الله. ولذلك توعدهم الله تبارك وتعالى فقال: ويل لهم، وبدأ
الآية بالوعيد بالجزاء مباشرة.
نلاحظ أن كلمة ويل في اللغة تستعمل معها كلمتي
ويح وويس .. وكلها تعني الهلاك والعذاب .. وتستعمل للتحسر على غفلة الإنسان عن
العذاب .. واقرأ قوله تعالى:

{يا وليتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرةً
ولا كبيرةً إلا أحصاها } (من الآية 49 سورة الكهف)

وقوله جل جلاله:


{يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا} (من الآية 97 سورة الأنبياء)

هذه
الويلات تعني الحسرة وقت رؤية العذاب .. وقيل إن الويل وادٍ في جهنم يهوي الإنسان
فيه أربعين خريفا والعياذ بالله .. والحق تبارك وتعالى ينذر الذين يكتبون الكتاب
بأيديهم أن عذابهم يوم القيامة سيكون مضاعفا .. لأن كل من ارتكب إثما نتيجة
لتزييفهم للكتاب سيكونون شركاء وسيحملون عذابهم معهم يوم القيامة، وسيكون عذابهم
مضاعفا أضعافا كثيرة.

يقول الحق سبحانه وتعالى: "فويل للذين يكتبون الكتاب
بأيديهم" .. ألم يكن يكفي أن يقول الحق فويل للذين يكتبون الكتاب ويكون المعنى
مفهوما .. يكتبون الكتاب بماذا؟ بأيديهم .. نقول لا .. لأن الفعل قد يتم بالأمر وقد
يتم بالفعل .. رئيس الدولة مثلا يتصل بأحد وزرائه ويقول له ألم أكتب إليك كتابا
بكذا فلماذا لم تنفذه؟ هو لم يكتب هذا الكتاب بيده ولكنهم كتبوه بأمره، ورؤساء
الدولة نادرا ما يكتبون كتبا بأيديهم.
إن الله سبحانه وتعالى يريد هنا أن يبين
لنا مدى تعمد هؤلاء للإثم .. فهم لا يكتفون مثلا بأن يقولوا لغيرهم اكتبوا .. ولكن
لاهتمامهم بتزييف كلام الله سبحانه وتزويره يقومون بذلك بأيديهم ليتأكدوا بأن الأمر
قد تم كما يريدون تماما .. فليس المسألة نزوة عابرة .. ولكنها مع سبق الإصرار
والترصد ..
وهم يريدون بذلك أن يشتروا ثمنا قليلا، هو المال أو ما يسمى بالسلطة
الزمنية .. يحكمون ويكون لهم نفوذ وسلطان.
ولقد كان أهل الكتاب في الماضي إذا
اختلفوا في شيء .. ذهبوا إلي الكهان والرهبان وغيرهم ليقضوا بينهم .. لماذا؟ لأن
الناس حين يختلفون يريدون أن يستتروا وراء ما يحفظ كبرياءهم إن كانوا مخطئين ..
يعني لا أنهزم أمامه ولا ينهزم أمامي .. وإنما يقولون ارتضينا حكم فلان .. فإذا كنا
سنلجأ إلي تشريع السماء ليحكم بيننا .. لا يكون هناك غالب ومغلوب أو منهزم ومنتصر
.. ذلك حين أخضع أنا وأنت لحكم الله يكون كل منا راضيا بنتيجة هذا الحكم.
ولكن
رجال الدين اليهودي والمسيحي أخذوا يصدرون فتاوى متناقضة .. كل منهم حسب مصلحته
وهواه .. ولذلك تضاربت الأحكام في القضايا المتشابهة .. لأنه لم يعد الحكم بالعدل
.. بل أصبح الحكم خاضعا لأهواء ومصالح وقضايا البشر .. وحين يكتبون الكتاب بأيديهم
ويقولون هذا من عند الله .. إنما يريدون أن يخلعوا على المكتوب قداسة تجعل الإنسان
يأخذه بلا مناقشة .. وبذلك يكونون هم المشرعين باسم الله، ويكتبون ما يريدون
ويسجلونه كتابه، وحين أحس أهل الكتاب بتضارب حكم الدين بما أضافه الرهبان والأحبار،
بدأوا يطلبون تحرير الحكم من سلطة الكنيسة.
ولكن لماذا يكتب هؤلاء الناس الكتاب
بأيديهم ويقولون هذا من عند الله؟! .. الحق سبحانه وتعالى يقول: "ليشتروا به ثمنا
قليلا" .. وقد قلنا إن الإنسان لا يشتري الثمن .. ولكن يدفع الثمن ويشتري السلعة ..
ولكنك هنا تدفع لتأخذ ثمنا .. تدفع من منهج الله وحكم الله فتغيره وتبدله لتأخذ
ثمنا موقوتا .. والله سبحانه وتعالى يعطيك في الآخرة ولكنك تبيعه بالقليل وكل ثمن
مهما بلغ تأخذه مقابل منهج الله يعتبر ثمنا قليلا. والحق سبحانه وتعالى: "فويل لهم
مما كتبت أيديهم" .. الآية الكريمة بدأت بقوله تعالى: "فويل للذين يكتبون الكتاب
بأيديهم" .. ثم جاء قوله تعالى: "فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون" ..
فساعة الكتابة لها ويل وعذاب .. وساعة بيع الصفقة لها ويل وعذاب .. والذي يكسبونه
هو ويل وعذاب.

لقد انتشرت هذه المسألة في كتابة صكوك الغفران التي كانت
تباع في الكنائس لمن يدفع اكثر. والحق سبحانه وتعالى يقول: "وويل لهم ما مما
يكسبون" .. وكلمة كسب تدل على عمل من أعمال جوارحك يجلب لك خيرا أو نفعا وهناك كسب
وهناك اكتسب .. كسب تأتي بالشيء النافع، واكتسب تأتي بالشيء الضار .. ولكن في هذه
الآية الكريمة الحق سبحانه وتعالى قال: "وويل لهم مما يكسبون" .. وفي آية ثانية
قال: "بلى من كسب سيئة". فلماذا تم هذا الاستخدام؟ نقول إن هذا ليس كسبا طبيعيا،
إنما هو افتعال في الكسب .. أي اكتساب .. ولابد أن نفهم إنه بالنسبة لجوارح الإنسان
.. فإن هناك القول والفعل والعمل .. بعض الناس يعتقد إن هناك القول والعمل .. نقول
لا .. هناك قول هو عمل اللسان .. وفعل هو عمل الجوارح الأخرى غير اللسان .. وعمل
وهو أن يوافق القول الفعل .. لذلك فإن الله سبحانه وتعالى يقول:

{يا أيها
الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون"2"كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون
"3"}
(من الآية 164 سورة الأنعام)

إذن هناك قول وفعل وعمل .. والإنسان
إذا استخدم جوارحه استخداما سليما بفعل ما هو صالح له .. فإذا انتقل إلي ما هو صالح
إلي ما يغضب الله فإن جوارحه لا تفعل ولكنها تفتعل .. تتصادم ملكاتها بعضها مع بعض
والإنسان وهو يفتح الخزانة ليأخذ من ماله يكون مطمئنا لا يخاف شيئا والإنسان حين
يفتح خزانة غيره يكون مضطربا وتصرفاته كلها افتعال .. والإنسان مع زوجته منسجم في
هيئة طبيعية، بعكس ما يكون في وضع مخالف .. إنها حالة افتعال .. وكل من يكسب شيئا
حراما افتعله .. ولذلك يقال عنه اكتسب .. إلا إذا تمرس وأصبح الحرام لا يهزه، أو
ممن نقول عنهم معتادو الإجرام .. في هذه الحالة يفعل الشيء بلا افتعال لأنه اعتاد
عليه .. هؤلاء الذين وصلوا إلي الحد الذي يكتبون فيه بأيديهم ويقولون من عند الله
.. أصبح الإثم لا يهزهم، ولذلك توعدهم الله بالعذاب مرتين في آية واحدة.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 02:00

(وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله
عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون "80")

هنا يكشف الله سبحانه وتعالى
فكر هؤلاء الناس .. لقد زين لهم الشيطان الباطل فجعلهم يعتقدون أنهم كسبوا فعلا
وأنهم أخذوا المال والجاه الدنيوي وفازوا به .. لأنهم لن يعذبوا في الآخرة إلا
عذابا خفيفا قصيرا .. ولذلك يفضح الله تبارك وتعالى ما يقولونه بعضهم مع بعض ..
ماذا قالوا؟: "قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة". المس يعني اللمس الخفيف أو
اقتراب شيء من شيء .. ولكن لا يحس أحدهما بالآخر إلا إحساسا خفيفا لا يكاد يذكر ..
فإذا أتيت إلي إنسان ووضعت أناملك على يده يقال مسست .. ولكنك لم تستطع بهذا المس
أن تحس بحرارة يده أو نعومة جلده .. ولكن اللمس يعطيك إحساسا بما تلمس: "قالوا لن
تمسنا النار إلا أياما معدودة" وهكذا أخذوا أقل الأقل في العذاب .. ثم أقل الأقل في
الزمن فقالوا أياما معدودة .. الشيء إذا قيل عن معدودة فهو قليل .. أما الشيء الذي
لا يحصى فهو الكثير .. ولذلك حين يتحدث الله عن نعمه يقول سبحانه:

{وإن
تعدوا نعمة الله لا تحصوها} (من الآية 18 سورة النحل)

فمجرد الإقبال على
العد معناه أن الشيء يمكن إحصاءه .. فإن لم يكن ممكنا لا يقبل أحد على عده، ولا نرى
من حاول عد حبات الرمل أو ذرات الماء في البحار .. نعم الله سبحانه وتعالى ظاهرة
وخفية لا يمكن أن تحصى، ولذلك لا يقبل أحد على إحصائها .. وإذا سمعت كلمة "أياما
معدودة" فأعلم أنها أيام قليلة .. ولذلك نرى في سورة يوسف قول الحق جل جلاله:


{وشروه بثمن بخس دراهم معدودةٍ} (من الآية 20 سورة يوسف)

قولهم لن
تمسنا النار إلا أياما معدودة .. دليل على غبائهم لأن مدة المس لا تكون إلا لحظة ..
ولكنها أماني وضعها الشيطان في عقولهم ليأتي الرد من الله في قوله سبحانه: "قل
أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده" أي إذا كان ذلك وعداً من الله، فالله لا
يخلف وعده. والله يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم لستم أنتم الذين
تحكمون وتقررون ماذا سيفعل الله سبحانه وتعالى بكم .. بل هو جل جلاله الذي يحكم ..
فإن كان قد أعطاكم عهدا فالله لا يخلف وعده.

وقوله تعالى: "أم تقولون على
الله ما لا تعلمون" .. هنا أدب النبوة والخلق العظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم
.. فبدلا من أن يقول لهم أتفترون على الله أو أتكذبون على الله .. أو أتختلقون على
الله ما لم يقله .. قال: "أم تقولون على الله ما لا تعلمون" إن الذي يختلق الكلام
يعلم أنه مختلق .. إنه أول من يعلم كذب ما يقول، وقد يكون له حجة ويقنع من أمامه
فيصدقه، ولكنه يظل يعلم إن ما قاله مختلق رغم أنهم صدقوه ..



إذن
مختلق الشيء يعرف إن هذا الشيء مختلق. وهؤلاء اليهود هم أول من يعلم إن قولهم ..
"لن تمسنا النار إلا أياما معدودة" قول مختلق .. ولكن لمن يقولون على الله ما هو
افتراء وكذب؟ يقولون للأميين الذين لا يعرفون الكتاب.


******************************************

( بلى من كسب سيئة
وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون "81")

أراد الله
سبحانه وتعالى أن يوضح كذبهم .. فجاء القرآن قائلا: "بلى" وهي حرف جواب مثل نعم
تماما .. ولكن "بلى" حرف جواب في النفي .. يعني ينفي الذي قبله .. هم قالوا لن
تمسنا النار إلا أياما معدودة ورسول الله سألهم هل اتخذوا عند الله عهدا أو يقولون
على الله ما لا يعلمون، فجاء القرآن ليقول: "بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته
فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" ..
بداية الجواب ببلى تنفي ما قالوا .. لأن
بلى تأتي بعد النفي .. ونعم تأتي بعد الإجابة .. فإذا قال إنسان ليس لك عندي شيء
وقلت نعم، فمعناها أنه صحيح أنك ليس لك عندي شيء .. أما إذا قلت بلى، فمعنى ذلك أن
لك عندي شيئا أو أشياء .. ولذلك بعد قولهم "لن تمسنا النار إلا أياما معدودة" .. لو
جاء بعدها نعم، لكان قولهم صحيحا، ولكن بلى نفت وجاء الكلام بعدها مؤكدا النفسي:

"من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" هم قالوا لن
تمسنا النار .. قال لن تمسكم فقط بل أنتم فيها خالدون ..

وقوله تعالى:
"أصحاب النار" .. الصحبة تقتضي نوعا من الملازمة فيها تجاذب المتصاحبين .. ومعنى
ذلك أنه سيكون هناك تجاذب بينهم وبين النار .. هنا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى
قال: "بلى من كسب سيئة" .. وكان السياق يقتضي أن يقال اكتسب .. ولكن لأنهم ظنوا
أنهم كسبوا .. كما بينا في الآية السابقة .. وقوله تعالى: "وأحاطت به خطيئته" ..
إحاطة بحيث لا يوجد منفذ للإفلات من الخطيئة لأنها محيطة به.
وأنسب تفسير لقوله
تعالى: "كسب سيئة وأحاطت به خطيئته" .. أن المراد الشرك .. لأن الشرك هو الذي يحيط
بالإنسان ولا مغفرة فيه .. والله تعالى يقول:

{إن الله لا يغفر أن يشرك به
ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (من الآية 48 سورة النساء)

ولذلك فهؤلاء لم
يكونوا عصاة فقط .. ولكنهم كانوا كافرين مشركين. والدليل قوله تعالى: "هم فيها
خالدون" .. وأصحاب الصغائر أو الكبائر الذين يتوبون منها لا يخلدون في النار ..
ولكن المشرك بالله والكافر به هم الخالدون في النار .. وكل من لم يؤمن بسيدنا محمد
صلى الله عليه وسلم كافر لأن الله سبحانه وتعالى قال:

{ومن يبتغ غير
الإسلام ديناً فلن يقبل وهو في الآخرة من الخاسرين"85"}
(سورة آل عمران)


ولذلك قلت هناك فرق بين .. الإنسان الذي يرتكب معصية لأنه لا يقدر على نفسه
فيندم ويتوب .. وبين إنسان يفرح بالمعصية .. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:


{إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريبٍ}

(من الآية 17 سورة النساء)

وهناك من يندم على المعصية وهذا له توبة ..
وهناك من يفرح بالمعصية وهذا يزداد معصية.


************************************************** ****

(والذين
آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون "82")

عندما يذكر
الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم .. العذاب والنار، يأتي بالمقابل وهو النعيم
والجنة .. وذلك أن المقابلة ترينا الفرق .. وتعطي للمؤمن إحساسا بالسعادة .. لأنه
زحزح عن عذاب الآخرة، وليس هذا فقط .. بل دخل الجنة ليقيم خالدا في النعيم .. ولذلك
يقول سبحانه وتعالى:

{فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز} (من الآية
185 سورة آل عمران)

إذن الفوز في الآخرة ليس على درجة واحدة ولكن على
درجتين .. أولى درجات الفوز أن يزحزح الإنسان على النار ولو إلي الأعراف وهذا فوز
عظيم .. يكفي إنك تمر على الصراط المضروب فوق النار وترى ما فيها من ألوان العذاب،
ثم بعد ذلك تنجو من هذا الهول كله .. يكفي ذلك ليكون فوزا عظيما .. لأن الكافر في
هذه اللحظة يتمنى لو كان ترابا حتى لا يدخل النار .. فمرور المؤمن فوق الصراط
ورؤيته للنار نعمة لأنه يحس بما نجا منه .. فإذا تجاوز النار ودخل إلي الجنة لينعم
فيها نعيما خالدا كان هذا فوزاً آخر .. ولذلك حرص الله تبارك وتعالى أن يعطينا
المرحلتين. فلم يقل: من زحزح عن النار فاز .. ولم يقل من ادخل الجنة فاز .. بل قال
"فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز" .. وجاءت هذه الآية الكريمة بعد آيات
العذاب لتعطينا المقارنة.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 02:00

( وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى
واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسناً وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا
قليلاً منكم وأنتم معرضون "83")

آخذ الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل
ثمانية أشياء: الميثاق .. وهو العهد الموثق المربوط ربطا دقيقا وهو عهد الفطرة أو
عهد الذر .. مصداقا لقوله تعالى:

{وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم
ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى}
(من الآية 172 سورة الأعراف)


وهناك عهد آخر أخذه سبحانه وتعالى على رسله جميعا .. أن يبشروا برسالة رسول
الله صلى الله عليه وسلم .. ويطلبوا من أتباعهم أن يؤمنوا به عند بعثه .. أو ألا
يكتموا ما في كتبهم وإلا يغيروه .. والميثاق هو كل شيء فيه تكليف من الله .. ذلك
أنك تدخل في عقد إيماني مع الله سبحانه وتعالى بأن يفعل ما يأمر به وتترك ما نهى
عنه .. هذا هو الميثاق .. كلمة الميثاق وردت في القرآن الكريم بوصف غليظ .. في
علاقة الرجل بالمرأة .. قال سبحانه وتعالى:

{وإن أردتم استبدال زوجٍ مكان
زوجٍ وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتانا وإثماً مبيناً
"20" وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلي بعضٍ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً}
(سورة
النساء)

نقول نعم لأن هذا الميثاق سيحل للمرأة أشياء لا تكون

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 02:00

ليس اليتيم من انتهى أبواه من إ ن اليتيم هو الذي تلقى له هم الحياة وخلفاه ذليلا
أما تخلت أو أباً مشغولا

إن اليتيم يكون منكسرا لأنه فقد والده فأصبح لا
نصير له .. فإذا رأينا في المجتمع الإسلامي أن كل يتيم يرعاه رعاية الأب كل رجال
المجتمع .. فذلك يجعل الأب لا يخشى أن يترك ابنه بعد وفاته .. إذن فرعاية المجتمع
لليتيم تضمن أولا حماية حقه، لأنه إذا كان يتيما وله مال فإن الناس كلهم يطمعون في
ماله، لأنه لا يقدر أن يحميه .. هذه واحدة .. والثانية أن هذا التكافل يذهب الحقد
من المجتمع ويجعل كل إنسان مطمئنا على أولاده ..

وقوله سبحانه وتعالى:
"والمساكين" .. في الماضي كنا نقول إن المساكين هم الذين لا يملكون شيئا على
الإطلاق ليقيموا به حياتهم .. إلي أن نزلت الآية الكريمة في سورة الكهف:


{أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} (من الآية 79 سورة الكهف)


فعرفنا أن المسكين قد يملك .. ولكنه لا يملك ما يكفيه .. وهذا نوع من
التكافل الاجتماعي لابد أن يكون موجودا في المجتمع .. حتى يتكافل المجتمع كله ..
فأنت إن كنت فقيرا أو مسكينا ويأتيك من رجل غني ما يعينك على حياتك .. فإنك ستتمنى
له الخير لأن هذا الخير يصيبك .. ولكن إذا كان هذا الغني لا يعطيك شيئا .. هو يزداد
غنى وأنت تزداد فقرا .. تكون النتيجة أن حقدك يزداد علية.

ويقول الحق سبحانه
وتعالى: "وقولوا للناس حسنا" .. كلمة حسنا بضم الحاء ترد بمعنى حسن بفتح الحاء ..
والحسن هو ما حسنه الشرع .. ذلك أن العلماء اختلفوا: هل الحسن هو ما حسنه الشرع أو
ما حسنه العقل؟ نقول: ما حسنه العقل مما لم يرد فيه نص من تحسين الشرع .. لأن العقل
قد يختلف في الشيء الواحد .. هذا يعتبره حسنا وهذا يعتبره قبيحا .. والله تبارك
وتعالى يقول:

{ادع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي
أحسن}
(من الآية 125 سورة النحل)

هذا هو معنى قوله تعالى: "وقولوا
للناس حسنا" ..
ثم جاء قوله جل جلاله: "وأقيموا الصلاة" وقد تكلمنا عن معنى
إقامة الصلاة وما يجعلها مقبولة عند الله. وهناك فرق بين أن تقول صلوا .. وبين أن
تقول أقيموا الصلاة .. أقيموا الصلاة معناها صل ولكن صلاة على مستواها الذي يطلب
منك .. وإقامة الصلاة كما قلنا هي الركن الذي لا يسقط أبدا عن الإنسان ..
ويقول
الحق: "وآتوا الزكاة" .. بالنسبة للزكاة عندما يقول الله سبحانه: "وذي القربى
واليتامى والمساكين" .. نقول أن الأقارب واليتامى والمساكين لهم حق في الزكاة
ماداموا فقراء .. لنحس جميعا أننا نعيش في بيئة إيمانية متكاملة متكافلة .. يحاول
كل منا أن يعاون الآخر .. فالزكاة في الأساس تعطي للفقير ولو لم يكن يتيما أو قريبا
.. فإن لكل فقير حقوقا ورعاية .. فإذا كان هناك فقراء أقارب أو يتامى يصبح لهم حقان
.. حق القريب وحق الفقير .. وإن كان يتيما فله حق اليتيم وحق الفقير ..

بعد
أن ذكر الحق سبحانه وتعالى عناصر الميثاق الثمانية .. قال: "ثم توليتم" .. تولى
يعني أعرض أو لم يطع أو لم يستمع .. يقول الحق سبحانه: "ثم توليتم إلا قليلا منكم
وأنتم معرضون" .. هذا هو واقع تاريخ بني إسرائيل .. لأن بعضهم تولى ولم يطع الميثاق
وبعضهم أطاع ..
إن القرآن لم يشن حملة على اليهود، وإنما شن حملة على المخالفين
منهم. ولذلك احترم الواقع وقال: "إلا قليلا" .. وهذا يقال عنه بالنسبة للبشر قانون
صيانة الاحتمال .. إن الحق جل جلاله يتكلم بإنصاف الخالق للمخلوق .. لذلك لم يقل
"ثم توليتم" بل قال إلا قليلا. "توليتم" يعني أعرضتم، ولكن الله تبارك وتعالى يقول:
"ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون" نريد أن نأخذ الدقة الأدائية .. إذا أردنا
أن نفسر تولي .. فمعناها أعرض أو رفض الأمر .. ولكن الدقة لو نظرنا للقرآن لوجدنا
أنه حين يلتقي المؤمن بالكافر في معركة .. فالله سبحانه وتعالى يقول:

{ومن
يولهم يومئذ دبره إلا منحرفاً لقتالٍ أو متحيزاً إلي فئةٍ فقد باء بغضب من الله}

(من الآية 16 سورة الأنفال)

إذن فالتولي هو الإعراض .. والحق سبحانه
وتعالى في هذه الآية الكريمة بين لنا أن الإعراض يتم بنوايا مختلفة .. المقاتل يوم
الزحف يعرض أو يتولى ليس بنية الهرب من المعركة .. ولكن بنية أن يذهب ليقاتل في
مكان آخر أو يعاون إخوانه الذين تكاثر عليهم الأعداء .. هذا إعراض ولكن ليس بنية
الهرب من المعركة .. ولكن بنية القتال بشكل أنسب للنصر .. نفرض أن إنسانا مدين لك
رأيته وهو قادم في الطريق فتوليت عنه .. أنت لم تعرض عنه كرها .. ولكن رحمة لأنك لا
تريد المساس بكرامته .. إذن هناك تول أو إعراض ليس بنية الإعراض. والله سبحانه
وتعالى يريد أن يلفتنا إلي أن هؤلاء اليهود تولوا بنية الإعراض، ولم يتولوا بأي نية
أخرى .. أي أنهم أعرضوا وهم متعمدون أن يعرضوا ..

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 02:01

(وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم
تشهدون "84")

قلنا ساعة تسمع "إذا" فأعلم أن معناها أذكر .. وقلنا إن
الميثاق هو العهد الموثق ..
والله تبارك وتعالى ذكر قبل ذلك في الميثاق عبادة
الله وحده .. وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين .. وقولوا للناس
حسنا وأقيموا الصلاة إلي آخر ما جاء في الآية الكريمة .. وكلها أوامر أي وكلها افعل
.. استكمالا للميثاق .. يقول الله في هذه الآية الكريمة ما لا تفعل .. فالعبادة كما
قلنا هي إطاعة الأمر والامتناع عن النواهي .. أو ما نهى عنه الميثاق:
"لا
تسفكون دماءكم" ومعناها لا يسفك كل واحد منكم دم أخيه .. لا يسفك بعضكم دم بعض.

ولكن لماذا قال الله: "دماءكم"؟ لأنه بعد ذلك يقول: "ولا تخرجون أنفسكم من
دياركم" .. الحكم الإيماني يخاطب الجماعة الإيمانية على أنها وحدة واحدة ..




فكأن المجتمع الإيماني وحدة واحدة .. والله سبحانه وتعالى يقول:


{فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبةً} (من
الآية 61 سورة النور)

ولكن إذا كنت أنا الداخل فكيف أسلم على نفسي؟ كأن
الله يخاطب المؤمنين على أساس أنهم وحده واحدة .. وعلى هذا الأساس يقول سبحانه: "لا
تسفكون دماءكم" .. أي لا تقتلوا أنفسكم .. السفك معناه حب الدم .. "ودماءكم" هو
السائل الموجود في الجسم اللازم للحياة ..

وقوله تعالى: "ولا تخرجوا أنفسكم
من دياركم" يعني لا يخرج بعضكم بعضا من ديارهم .. ثم ربط المؤمنين من بني إسرائيل
بقوله تعالى: "ثم أقررتم وأنتم تشهدون" .. أقررتم أي اعترفتم: "وأنتم تشهدون"
الشهادة هي الإخبار بمشاهد .. والقاضي يسأل الشهود لأنهم رأوا الحادث فيروون ما
شاهدوا .. وأنت حين تروي ما شاهدت .. فكأن الذين سمعوا أصبح ما وقع مشهودا وواقعا
لديهم وشاهد الزور يغير المواقع.
الحق سبحانه وتعالى يخاطب اليهود المعاصرين
لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. ويذكرهم بما كان من آبائهم الأولين .. وموقفهم من
أخذ الميثاق حين رفع فوقهم جبل الطور وهي مسألة معروفة .. والقرآن يريد أن يقول لهم
إنكم غيرتم وبدلتم فيما تعرفون .. فالذي جاء على هواكم طبقتموه .. والذي لم يأت على
هواكم لم تطبقوه.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 02:01

سورة البقرة

(ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم
تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسرى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم
أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة
الدنيا ويوم القيامة يردون إلي أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون "85")


يخاطب الحق جل جلاله اليهود ليفضحهم لأنهم طبقوا من التوراة ما كان على
هواهم .. ولم يطبقوا ما لم يعجبهم ويقول لهم: "أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض".
إنه يذكرهم بأنهم وافقوا على الميثاق وأقروه. ولقد نزلت هذه الآية عندما زنت امرأة
يهودية وأرادوا ألا يقيموا عليها الحد بالرجم .. فقالوا نذهب إلي محمد ظانين أنه
سيعفيهم من الحد الموجود في كتابهم .. أو أنه لا يعلم ما في كتابهم .. فلما ذهبوا
إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم هذا الحكم موجود عندكم في التوراة ..
قالوا عندنا في التوراة أن نلطخ وجه الزاني والزانية بالقذارة ونطوف به على الناس
.. قال لهم رسول الله لا .. عندكم آية الرجم موجودة في التوراة فانصرفوا .. فكأنهم
حين يحسبون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيخفف حدا من حدود الله .. يذهبون إليه
ليستفتوه.

والحق سبحانه وتعالى يقول: "ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم" .. أي
بعد أن أخذ عليكم الميثاق ألا تفعلوا .. تقتلون أنفسكم .. يقتل بعضكم بعضا، أو أن
من قتل سيقتل. فكأنه هو الذي قتل نفسه .. والحق سبحانه قال: "ثم أنتم هؤلاء تقتلون
أنفسكم" .. لماذا جاء بكلمة هؤلاء هذه؟ لإنها إشارة للتنبيه لكي نلتف إلي الحكم.


وقوله تعالى: "وتخرجون فريقا منكم من ديارهم" وحذرهم بقوله: "ولا تخرجون
أنفسكم من دياركم" .. وجاء هذا في الميثاق. ما هو الحكم الذي يريد الحق تبارك
وتعالى أن يلفتنا إليه؟ نقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما هاجر إلي
المدينة انتقل من دار شرك إلي دار إيمان .. ومعنى دار إيمان أن هناك مؤمنين سبقوا
.. فهناك من آمن من أهل المدينة .. لقد هاجر المسلمون قبل ذلك إلي الحبشة ولكنها
كانت هجرة إلي دار أمن وليست دار إيمان .. ولكن حين حدثت بيعة العقبة وجاء جماعة من
المدينة وعاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به .. أرسل معهم الرسول مصعب
بن عمير ليعلمهم دينهم .. وجاءت هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام على خميرة إيمانية
موجودة .. لما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلي المدينة أفسد على اليهود خطة
حياتهم .. فاليهود كانوا ممثلين في بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة .. وكان هناك
في المدينة الأوس والخزرج .. وبينهما حروب دائمة قبل أن يأتي الإسلام .. فاليهود
قسموا أنفسهم إلي قوم مع الأوس وقوم مع الخزرج حتى يضمنوا استمرار العداوة .. فكلما
هدأ القتال أهاجوا أحد المعسكرين على الآخر ليعود القتال من جديد .. وهم كذلك حتى
الآن وهذه طبيعتهم.

إن الذي صنع الشيوعية يهودي، والذي صنع الرأسمالية
يهودي .. والذي يحرك العداوة بين المعسكرين يهودي .. وكان بنو النضير وبنو قينقاع
مع الخزرج وبنو قريظة مع الأوس .. فإذا اشتبك الأوس والخزرج كان مع كل منهم حلفاؤه
من اليهود. عندما تنتهي المعركة ماذا كان يحدث؟ إن المأسورين من بني النضير وبني
قينقاع يقوم بنو قريظة بالمساعدة في فك أسرهم .. مع أنهم هم المتسببون في هذا الأسر
.. فإذا انتصرت الأوس وأخذوا أسرى من الخرج ومن حلفائهم اليهود .. يأتي اليهود
ويعملون على إطلاق سراح الأسرى اليهود .. لأن عندهم نصا أنه إذا وجد أسير من بني
إسرائيل فلابد من فك أسره.
سبحانه وتعالى:
{ما كان لنبيٍ أن يكون له أسرى
حتى بثخن في الأرض} (من الآية 16 سورة الأنفال)
ولكن القرآن أتى بها أسارى ..
واللغة أحيانا تأتي على غير ما تقضيه قياسها لتلفتك إلي معنى من المعاني .. فكسلان
تجمع كسالى. والكسالى هو هابط الحرة .. الأسير أيضا أنت قيدت حركته .. فكأن جمع
أسير على أسارى إشارة إلي تقييد الحركة .. القرآن الكريم جاء بأسارى وأسرى .. ولكنه
حين استخدم أسارى أراد أن يلفتنا إلي تقييد الحركة مثل كسالى .. ومعنى وجود أسرى أن
حربا وقعت .. لحرب تقتضي الالتقاء والالتحام .. ويكون كل واحد منهم يريد أن يقتل
عدوه.

كلمة الأسر هذه أخذت من أجل تهدئة سعار اللقاء .. فكأن الله أراد أن
يحمي القوم من شراسة نفوسهم وقت الحرب فقال لهم إستأسروهم .. لا تقتلوهم إلا إذا
كنتم مضطرين للقتل .. ولكن خذوهم أسرى وفي هذا مصلحة لكم لأنكم ستأخذون منهم الفدية
.. وهذا تشريع من ضمن تشريعات الرحمة .. لأنه لو لم يكن الأسر مباحا .. لكان لابد
إذا إلتقى مقاتلان أن يقتل أحدهما الآخر .. لذلك يقال خذه أسيرا إلا إذا كان وجوده
خطراً على حياتك. وقول الحق تبارك وتعالى: "وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم
عليكم إخراجهم" .. كانت كل طائفة من اليهود مع حليفتها من الأوس أو الخزرج .. وكانت
تخرج المغلوب من دياره وتأخذ الديار .. وبعد أن تنتهي الحرب يفادوهم .. أي يأخذون
منهم الفدية ليعيدوا إليهم ديارهم وأولادهم.
لماذا يقسم ال يهود أنفيهم هذه
القسمة .. أنها ليست تقسيمة إيمانية ولكنها تقسيمة مصلحة دنيوية .. لماذا؟ لأنه ليس
من المعقول وأنتم أهل كتاب .. ثم تقسمون أنفسكم قسما مع الأوس وقسما مع الخزرج ..
ويكون بينكم إثم وعدوان. وقوله تعالى: "تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان" .. تظاهرون
عليهم. أي تعاونون عليهم وأنتم أهل دين واحد: "بالإثم" .. والإثم هو الشيء الخبيث
الذي يستحي منه الناس: "والعدوان" .. أي التعدي بشراسة .. وقوله تعالى: "أفتؤمنون
ببعض الكتاب وتكفرون ببعض" .. أي تأخذون القضية على أساس المصلحة الدنيوية ..
وتقسمون أنفسكم مع الأوس والخزرج .. تفعلون ذلك وأنتم مؤمنون بإله ورسول وكتاب ..
مستحيل أن يكون دينكم أو نبيكم قد أمركم بهذا.

ثم يقول الحق سبحانه وتعالى:
"فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا" أي إنكم فعلتم ذلك وخالفتم
لتصلوا إلي مجد دنيوي ولكنكم لم تصلوا إليه .. سيصيبكم الله بخزي في الدنيا .. أي
أن الجزاء لن يتأخر إلي الآخرة بل سيأتيكم خزي وهو الهوان والذل في الدنيا .. وماذا
في الآخرة؟ يقول الله تعالى: "ويوم القيامة يردون إلي أشد العذاب" الخزي في الدنيا
أصابهم على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وأخرج بنو قينقاع من ديارهم
في المدينة .. كذلك ذبح بنو قريظة بعد أن خانوا العهد وخانوا رسول الله صلى الله
عليه وسلم والمسلمين .. وهكذا لا يؤخر الله سبحانه وتعالى جزاء بعض الذنوب إلي
الآخرة .. وجزاء الظلم في الدنيا لا يؤجل إلي الآخرة، لأن المظلوم لابد أن يرى مصرع
ظالميه حتى يعتدل نظام الكون .. ويعرف الناس أن الله موجود وأنه سبحانه لكل ظالم
بالمرصاد .. اليهود أتاهم خزي الدنيا سريعا: "يوم القيامة يردون إلي أشد العذاب".


قد يتساءل الناس ألا يكفيهم الخزي في الدنيا عن عذاب الآخرة؟ نقول لا ..
لأن الخزي لم ينلهم في الدنيا حدا .. ولم يكن نتيجة إقامة حدود الله عليهم ..
فالخزي حين ينال الإنسان كحد من حدود الله عليهم .. فالخزي حين ينال الإنسان كحد من
حدود الله يعفيه من عذاب الآخرة .. فالذي سرق وقطعت يده والذي زنا ورجم .. هؤلاء
نالهم عذاب من حدود الله فلا يحاسبون في الآخرة .. أما الظالمون فالأمر يختلف ..
لذلك فإننا نجد إناسا من الذين ارتكبوا إثما في الدنيا يلحون على إقامة الحد عليهم
لينجو من عذاب الآخرة .. مع أنه لم يرهم أحد أو يعلم بهم أحد أو يشهد عليهم أحد ..
حتى لا يأتي واحد ليقول: لماذا لا يعفي الظالمون الذي أصابهم خزي في الدنيا من عذاب
الآخرة؟ نقول إنهم في خزي الدنيا لم يحاسبوا عن جرائمهم .. أصابهم ضر وعذاب .. ولكن
أشد العذاب ينتظرهم في الآخرة الذي هو بقدرة الله سبحانه وتعالى، كما أن هذه الدنيا
تنتهي فيها حياة الإنسان بالموت، أما الآخرة فلا موت فيها بل خلود في العذاب.

ثم يقول الحق جل جلاله: "وما الله بغافل عما تعملون" .. أي لا تحاسب أن الله
سبحانه وتعالى يغفل عن شيء في كونه فهو لا تأخذه سنة نوم .. وهو بكل شيء محيط.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 02:01

(أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون
"86")

ويذكر لنا الله سبحانه وتعالى سبب خيبة هؤلاء وضلالهم لأنهم اشتروا
الحياة الدنيا بالآخرة .. جعلوا الآخرة ثمنا لنزواتهم ونفوذهم في الدنيا .. هم
نظروا إلي الدنيا فقط .. ونظرة الإنسان إلي الدنيا ومقارنتها بالآخرة تجعلك تطلب في
كل ما تفعله ثواب الآخرة .. فالدنيا عمرك فيها محدود .. ولا تقل عمر الدنيا مليون
أو مليونان أو ثلاثة ملايين سنة .. عمر الدنيا بالنسبة لك هو مدة بقائك فيها ..
فإذا خرجت من الدنيا انتهت بالنسبة لك .. والخروج من الدنيا بالموت .. والموت لا
أسباب له ولذلك فإن الإسلام لا يجعل الدنيا هدفا لأن عمرنا فيها مظنون .. هناك من
يموت في بطن أمه ومن يعيش ساعة أو ساعات، ومن يعيش إلي أرذل العمر .. إذن فاتجه إلي
الآخرة، ففيها النعيم الدنيا والحياة بلا موت المتعة على قدرات الله .. ولكن خيبة
هؤلاء أنهم اشتروا الدنيا بالآخرة .. ولذلك يقول الحق عنهم: "فلا يخفف عنهم العذاب
ولا هم ينصرون" .. لا يخفف عنهم العذاب أي يجب ألا يأمنوا أن العذاب في الآخرة
سيخفف عنهم .. أو ستقل درجته أو تنقص مدته .. أو سيأتي يوما ولا يأتي يوما وقوله:
"ولا هم ينصرون" .. النصرة تأتي على معنيين .. تأتي بمعنى أنه لا يغلب .. وتأتي
بمعنى أن هناك قوة تنتصر له أي تنصره .. كونه يغلب .. الله سبحانه وتعالى غالب على
أمره فلا أحد يملك لنفسه نفعا ولا ضرا .. ولكن الله يملك النفع والضر لكل خلقه ..
ويملك تبارك وتعالى أن يقهر خلقه على ما يشاء .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول:

{قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضرا إلا ما شاء الله} (من الآية 188
سورة الأعراف)

أما مسألة أن ينصره أحد .. فمن الذي يستطيع أن ينصر أحدا من
الله واقرأ قوله سبحانه وتعالى عن نوح عليه السلام: {ويا قوم من ينصرني من الله}
(من الآية 30 سورة هود)

يقول الحق سبحانه وتعالى: "فلا يخفف عنهم العذاب"
.. أمر لم يقع بعد بل سيقع مستقبلا .. يتحدث الله سبحانه وتعالى عنه بلهجة المضارع
.. نقول إن كل أحداث الكون ما سيقع منها هو عند الله تم وانتهى وقضى فيه .. لذلك
نجد في القرآن الكريم قوله سبحانه: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} (من الآية 1 سورة
النحل) أتى فعل ماضي .. ولا تستعجلوه مستقبل .. كيف يقول الله سبحانه وتعالى أتى ثم
يقول لا تستعجلوه؟ إنه مستقبل بالنسبة لنا .. أما بالنسبة لله تبارك وتعالى فمادام
قد قال أتى .. فمعنى ذلك أنه حدث .. فلا أحد يملك أن يمنع أمرا من أمور الله من
الحدوث .. فالعذاب آت لهم آت .. ولا يخفف عنهم لأن أحدا لا يملك تخفيفه.



************************************************** *

(ولقد
آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه
بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً
تقتلون "87")

وبعد أن بين الحق سبحانه وتعالى لنا ما فعله اليهود مع نبيهم
موسى عليه السلام .. أراد أن يبين لنا ما فعله بنو إسرائيل بعد نبيهم موسى .. وأراد
أن يبين لنا موقفهم من رسول جاءهم منهم .. ولقد جاء لبني إسرائيل رسل كثيرون لأن
مخالفاتهم للمنهج كانت كثيرة .. ولكن الآية الكريمة ذكرت عيسى عليه السلام .. لأن
الديانتين الكبيرتين اللتين سبقتا الإسلام هما اليهودية والنصرانية .. ولكن لابد أن
نعرف أنه قبل مجيء عيسى .. وبين رسالة موسى ورسالة عيسى عليهما السلام رسل كثيرون
.. منهم داود وسليمان وزكريا ويحيى وغيرهم .. فكأنه في كل فترة كان بنو إسرائيل
يبتعدون عن الدين .. ويرتكبون المخالفات وتنتشر بينهم المعصية .. فيرسل الله رسولا
يعدل ميزان حركة حياتهم .. ومع ذلك يعودون مرة أخرى إلي معصيتهم وفسقهم .. فيبعث
الله رسولا جديداً .. ليزيل الباطل وهوى النفس من المجتمع ويطبق شرع الله .. ولكنهم
بعده يعودون مرة أخرى إلي المعصية والكفر.

وقال الله سبحانه وتعالى: "لقد
أتينا موسى الكتاب" والقائل هو الله جل جلاله .. والكتاب هو التوراة: "وقفينا من
بعده بالرسل" .. والله تبارك وتعالى بين لنا موقف بني إسرائيل من موسى .. وموقفهم
من رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين .. ولكنه لم يبين لنا
موقفهم من الرسل الذين جاءوا بعد موسى حتى عيسى ابن مريم. الحق سبحانه وتعالى يريد
أن يلفتنا .. إلي أنه لم يترك الأمر لبني إسرائيل بعد موسى .. أن يعملوا بالكتاب
الذي أرسل معه فقط .. ولكنه أتبع ذلك بالرسل حين تسمع "قفينا" .. أي اتبعنا بعضهم
بعضا .. كل يخلف الذي سبقه "وقفينا" مشتقة من قفا .. وقفا الشيء خلفه .. وتقول قفوت
فلاناً أي سرت خلفه قريباً منه.

إن الحق يريد أن يلفتنا إلي أن رسالة موسى
لم تقف عند موسى وكتابه .. ولكنه سبحانه أرسل رسلاً وأنبياء ليذكروا وينبهوا ..
ولقد قلنا إن كثرة الأنبياء لبني إسرائيل ليست شهادة لهم ولكنها شهادة عليهم ..
إنهم يتفاخرون أنهم أكثر الأمم أنبياءً .. ويعتبون ذلك ميزة لهم ولكنهم لم يفهموا
.. فكثرة الأنبياء والرسل دلالة على كثرة فساد الأمة، لأن الرسل إنما يجيئون لتخليص
البشرية من فساد وأمراض وإنقاذها من الشقاء .. وكلما كثر الرسل والأنبياء دل ذلك
على أن القوم قد انحرفوا بمجرد ذهاب الرسول عنهم، ولذلك كان لابد من رسول جديد ..
تماما كما يكون المريض في حالةٍ خطرةٍ فيكثر أطباؤه بلا فائدةٍ .. وليقطع الله
سبحانه وتعالى عليهم الحجة يوم القيامة .. لم يترك لهم فترة من غفلةٍ .. بل كانت
الرسل تأتيهم واحدا بعد الآخر على فتراتٍ قريبةٍ.

وإذا نظرنا إلي يوشع
وأشمويه وشمعون. وداود وسليمان وشعيب وأرميا. وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا
ويحيى .. نرى موكبا طويلاً جاء بعد موسى .. حتى إنه لم تمر فترة ليس فيها نبي أو
رسول .. وحتى نفرق بين النبي والرسول .. نقول النبي مرسل والرسول مرسل .. كلاهما
مرسل من الله ولكن النبي لا يأتي بتشريع جديد .. وإنما هو مرسل على منهج الرسل الذي
سبقه .. واقرأ قوله سبحانه:
{وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نبيٍ} (من الآية
52 سورة الحج)

إذن فالنبي مرسل أيضاً .. ولكنه أسوة سلوكية لتطبيق منهج
الرسول الذي سبقه. وهل الله سبحانه وتعالى قص علينا قصص كل الرسل والأنبياء الذين
أرسلهم؟ اقرأ قوله تبارك وتعالى:
{ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم
نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليماً "164" }
(سورة النساء)

إذن هناك
رسل وأنبياء أرسلوا إلي بني إسرائيل لم نعرفهم .. لأن الله لم يقصص علينا نبأهم ..
ولكن الآية الكريمة التي نحن بصددها لم تذكر إلا عيسى عليه السلام .. باعتباره من
أكثر الرسل أتباعا .. والله تبارك وتعالى حينما أرسل عيسى أيده بالآيات والبينات
التي تثبت صدق بلاغه عن الله .. ولذلك قال جل جلاله: "وآتينا عيسى ابن مريم البينات
وأيدناه بروح القدس" .. وعيسى ابن مريم عليه السلام جاء ليرد على المادية التي
سيطرت على بني إسرائيل .. وجعلتهم لا يعترفون إلا بالشيء المادي المحسوس .. فعقولهم
وقلوبهم أغلقت من ناحية الغيب .. حتى إنهم قالوا لموسى: "أرنا الله جهرة" .. وحين
جاءهم المن والسلوى رزقاً من الله .. خافوا أن ينقطع عنهم لأنه رزق غيبي فطلبوا
نبات الأرض .. لذلك كان لابد أن يأتي رسول كل حياته ومنهجه أمور غيبية .. مولده أمر
غيبي، وموته أمر غيبي ورفعه أمر غيبي ومعجزاته أمور غيبية حتى ينقلهم من طغيان
المادية إلي صفاء الروحانية.

لقد كان أول أمره أن يأتي عن غير طريق التكاثر
المادي .. أي الذي يتم بين الناس عن طريق رجل وأنثى وحيوان منوي .. والله سبحانه
وتعالى أراد أن يخلع من أذهان بني إسرائيل أن الأسباب المادية تحكمه .. وإنما هو
الذي يحكم السبب. هو الذي يخلق الأسباب ومتى قال: "كن" كان .. بصرف النظر عن
المادية المألوفة في الكون .. وفي قضية الخلق أراد الله جل جلاله للعقول أن تفهم أن
مشيته هي السبب وهي الفاعلة .. واقرأ قوله سبحانه:
{لله ملك السماوات والأرض
يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور "49" أو يزوجهم ذكراناً
وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً إنه عليم قدير "50"} (سورة الشورى)

فكأن الله
سبحانه وتعالى جعل الذكورة والأنوثة هما السبب في الإنجاب .. ولكنه جعل طلاقة
القدرة مهيمنة على الأسباب .. فيأتي رجل وامرأة ويتزوجان ولكنهما لا ينجبان .. فكأن
الأسباب نفسها عاجزة عن أن تفعل شيئا إلا بإرادة المسبب. والله سبحانه وتعالى يقول:
"وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس" .. لماذا قال الحق تبارك
وتعالى: "وأيدناه بروح القدس" .. ألم يكن باقي الرسل والأنبياء مؤيدين بروح القدس؟

نقول: لقد ذكر هنا تأييد عيسى بروح القدس لأن الروح ستشيع في كل أمر له ..
ميلاداً ومعجزة وموتاً .. والروح القدس هو جبريل عليه السلام لم يكن يفارقه أبدا ..
لقد جاء عيسى عليه السلام على غير مألوف الناس وطبيعة البشر مما جعله معرضاً دائما
للهجوم .. ولذلك لابد أن يكون الوحي في صحبته لا يفارقه .. ليجعل من مهابته على
القوم ما يرد الناس عنه ..
وعندما يتحدث القرآن أنه رفع إلي السماء .. اختلف
العلماء هل رفع إلي السماء حيا؟ أو مات ثم رفع إلي السماء؟ نقول:
لو أننا عرفنا
أنه رفع حيا أو مات فما الذي يتغير في منهجنا؟ لا شيء. وعندما يقال إنه شيء عجيب أن
يرفع إنسان إلي السماء، ويظل هذه الفترة ثم يموت .. نقول إن عيسى ابن مريم لم يتبرأ
من الوفاة .. إنه سيتوفى كما يتوفى سائر البشر .. ولكن هل كان ميلاده طبيعياً؟
الإجابة لا .. إذن فلماذا تتعجب إذا كانت وفاته غير طبيعية؟ لقد خلق من أم بدون أب
.. فإذا حدث أنه رفع إلي السماء حياً وسينزل إلي الأرض فما العجب في ذلك؟ ألم يصعد
رسولنا صلى الله عليه وسلم إلي السماء حيا؟ ثم نزل لنا بعد ذلك إلي الأرض حياً؟ لقد
حدث هذا لمحمدٍ عليه الصلاة والسلام .. إذن فالمبدأ موجود .. فلماذا تستبعد صعود
عيسى ثم نزوله في آخر الزمان؟ والفرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى هو أن
محمداً لم يمكث طويلاً في السماء، بينما عيسى بقى .. والخلاف على الفترة لا ينقض
المبدأ.


وهذا الحديث موجود في صحيح البخاري .. فقد جعله الله مثلا لبني
إسرائيل .. واقرأ قوله سبحانه:
{إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني
إسرائيل "59" } (سورة الزخرف)

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 02:01

قوله تعالى: "وأتينا عيسى ابن مريم البينات" .. البينات هي المعجزات مثل إبراء
الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله وغير ذلك من المعجزات .. وهي الأمور البينة
الواضحة على صدق رسالته. لكننا إذا تأملنا في هذه المعجزات .. نجد أن بعضها نسبت
لقدرة الله كإحياء الموتى جاء بعدها بإذن الله .. وبعضها نسبها إلي معجزته كرسول ..
ومعروف إنه كرسول يؤيده الله بمعجزات تخرق قوانين الكون .. ولكن هناك فرق بين معجزة
تعطي كشفاً للرسول .. وبين معجزة لابد أن تتم كل مرة من الله مباشرة .. واقرأ الآية
الكريمة:
{ورسولاً إلي بني إسرائيل أني قد جئتكم بآيةٍ من ربكم أني أخلق لكم من
الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي
الموتى بإن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن
كنتم مؤمنين "49"} (سورة آل عمران)

وهكذا نرى في الآية الكريمة أنه بينما
كان إخبار عيسى لما يأكل الناس وما يدخرون في بيوتهم كشفاً من الله .. كان إحياء
الموتى في كل مرة بإذن الله .. وليس كشفا ولا معجزة ذاتية لعيسى عليه السلام .. إن
كل رسول كان مؤيداً بروح القدس وهو جبريل عليه السلام .. ولكن الله أيد عيسى بروح
القدس دائما معه .. وهذا معنى قوله تعالى: "وأيدناه بروح القدس" .. وأيدناه مشتقة
من القوة ومعناها قويناه بروح القدس في كل أمر من الأمور .. وكلمة روح تأتي على
معنيين .. المعنى الأول ما يدخل الجسم فيعطيه الحركة والحياة .. وهناك روح أخرى هي
روح القيم تجعل الحركة نافعة ومفيدة .. ولذلك سمى الحق سبحانه وتعالى القرآن بالروح
.. واقرأ قوله تعالى:
{وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا } (من الآية 52 سورة
الشورى)

والقرآن روح .. من لا يعمل به تكون حركة حياته بلا قيم .. إذن كل
ما يتصل بالمنهج فهو روح .. والقدس هذه الكلمة تأتي مرة بضم القاف وتسكين الدال ..
ومرة بضم القاف وضم الدال .. وكلا اللفظيين صحيح وهي تفيد الطهر والتنزه عن كل ما
يعيب ويشين .. والقدس يعني عن كل شائبة. قوله تبارك وتعالى: أفكلما جاءكم رسول بما
لا تهوى أنفسكم استكبرتم .. أي إن اليهود جعلوا أنفسهم مشرعين من دون الله .. وهم
يريدون أن يشرعوا لرسلهم .. فإذا جاء الرسول بما يخالف هواهم كذبوه أو قتلوه.

وقوله تعالى: "بما لا تهوى أنفسكم" .. هناك هوى بالفتحة على الواو وهوى بالكسرة
على الواو .. هوى بالفتحة على الواو بمعنى سقط إلي أسفل .. وهوى بالكسرة على الواو
معناه أحب وأشتهى .. اللفظان ملتقيان .. الأول معناه الهبوط، والثاني حب الشهوة
والهوى يؤدي إلي الهبوط .. ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى حينما يشرع يقول (تعالوا)
ومعناها ارتفعوا من موقعكم الهابط .. إذن فالمنهج جاء ليعصمنا من السقوط ..



ومعنى آخذ بحجزكم أي آخذ بكم .. وكأننا نقبل على النار ونحن نشتهيها
باتباعنا شهوتنا .. ورسول الله بمنهج الله يحاول أن ينقذنا منها .. ولكن رب نفسٍ
عشقت مصرعها ..

والحق تبارك وتعالى يقول:
{استكبرتم ففريقاً كذبتم
وفريقاً تقتلون} (من الآية 87 سورة البقرة)
معنى استكبرتم أي أعطيتم لأنفسكم
كبرا لستم أهلا له .. ادعيتم أنكم كبار ولستم كباراً .. ولكن هل المشروع مساو لك
حتى تتكبر على منهجه؟ طبعا لا .. قوله تعالى: "ففريقا كذبتم" .. والكذب كلام يخالف
الواقع .. أي أنكم اتهمتم الرسل بأنهم يقولون كلاما يخالف الواقع. لأنه يخالف ما
تشتهيه أنفسكم .. وقوله تعالى: "وفريقا تقتلون" .. التكذيب مسألة منكرة .. ولكن
القتل أمر بشع .. وحين ترى إنسانا يتخلص من خصمه بالقتل فاعلم أنها شهادة بضعفه
أمام خصمه .. وإن طاقته وحياته لا تطيق وجود الخصم .. ولو أنه رجل مكتمل الرجولة
لما تأثر بوجود خصمه .. ولكن لأنه ضعيف أمامه قتله .. قوله تعالى: "وفريقا تقتلون"
.. مثل نبي الله يحيى ونبي الله زكريا .. وهناك قصص وروايات تناولت قصة سالومي ..
وهي قصة راقصة جميلة أرادت إغراء يحيى عليه السلام فرفض أن يخضع لإغرائها .. فجعلت
مهرها أن يأتوها برأسه .. وفعلا قتلوه وجاءوها برأسه على صينية من الفضة.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 02:02

سورة البقرة

( وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون
"88")

الله سبحانه وتعالى يذكر لنا كيف برر بنو إسرائيل عدم إيمانهم وقتلهم
الأنبياء وكل ما حدث منهم .. فماذا قالوا؟ لقد قالوا "قلوبنا غلف" والغلف مأخوذ من
الغلاف والتغليف .. وهناك غلف بسكون اللام، وغلف بضم اللام .. مثل كتاب وكتب
"قلوبنا غلف" أي مغلفة وفيها من العلم ما يكفيها ويزيد، فكأنهم يقولون إننا لسنا في
حاجة إلي كلام الرسل .. أو "قلوبنا غلف" أي مغلفة ومطبوع عليها .. أي أن الله طبع
على قلوبهم وختم عليها حتى لا ينفذ إليها شعاع من الهداية ولا يخرج منها شعاع من
الكفر.

إذا كان الله سبحانه وتعالى قد فعل هذا .. ألم تسألوا أنفسكم لماذا؟
ما هو السبب؟ والحق تبارك وتعالى يرد عليهم فيقول: "بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما
يؤمنون": لفظ "بل" يؤكد لنا أن كلامهم غير صحيح .. فهم ليس عندهم كفاية من العلم
بحيث لا يحتاجون إلي منهج الرسل .. ولكنهم ملعونون ومطرودون من رحمة الله .. فلا
تنفذ إشعاعات النور ولا الهداية إلي قلوبهم .. ولكن ذلك ليس لأن ختم عليها بلا سبب
.. ولكنه جزاء على أنهم جاءهم النور والهدى .. فصدوه بالكفر أولا .. ولذلك فإنهم
أصبحوا مطرودين من رحمة الله ..
لأن من يصد الإيمان بالكفر يطرد من رحمة الله،
ولا ينفذ إلي قلبه شعاع من أشعة الإيمان.
وهنا يجب أن نتنبه إلي أن الله سبحانه
وتعالى لم يبدأهم باللعنة. وبعض الناس الذين يريدون أن يهربوا من مسئولية الكفر
علها تنجيهم من العذاب يوم القيامة يقولون إن الله سبحانه وتعالى قال:

{فإن
الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء } (من الآية 8 سورة فاطر)

تلك هي حجة
الكافرين الذين يظنون إنها ستنجيهم من العذاب يوم القيامة .. إنهم يريدون أن يقولوا
إن الله يضل من يشاء .. ومادام الله قد شاء أن يضلني فما ذنبي أنا؟ وهل أستطيع أن
أمنع مشيئة الله .. نقول له: إن الله إذا قيد أمرا من الأمور المطلقة فيجب أن نلجأ
إلي التقييد .. والله تبارك وتعالى يقول:

{والله لا يهدي القوم الكافرين }
(من الآية 37 سورة التوبة)

ويقول سبحانه: {والله لا يهدي القوم الظالمين }
(من الآية 19 سورة التوبة)

ويقول جل جلاله: {والله لا يهدي القوم الفاسقين
} (من الآية 24 سورة التوبة)

والحق سبحانه وتعالى أخبرنا أنه منع إعانته
للهداية عن ثلاثة أنواع من الناس .. الكافرين والظالمين والفاسقين .. ولكن هل هو
سبحانه وتعالى منع معونة الهداية أولا؟ أم أنهم هم الذين ارتكبوا من الضلال ما
جعلهم لا يستحقون هداية الله؟! إنسان واجه الله بالكفر .. كفر بالله .. رفض أن
يستمع لآيات الله ورسله .. ورفض أن يتأمل في كون الله .. ورفض أن يتأمل في خلقه هو
نفسه ومن الذي خلقه .. ورفض أن يتأمل في خلق السماوات والأرض .. كل هذا رفضه تماما
.. ومضى يصنع لنفسه طريق الضلال ويشرع لنفسه الكفر .. لأنه فعل ذلك أولا .. ولأنه
بدأ بالكفر برغم أن الله سبحانه وتعالى وضع له في الكون وفي نفسه آيات تجعله يؤمن
بالله، وبرغم ذلك رفض. هو الذي بدأ والله سبحانه وتعالى ختم على قلبه.
الإنسان
الظالم يظلم الناس ولا يخشى الله .. يذكرونه بقدره الله وقوة الله فلا يلتفت ..
يختم الله على قلبه .. كذلك الإنسان الفاسق الذي لا يترك منكرا إلا فعله .. ولا
إثما إلا ارتكبه .. ولا معصية إلا أسرع إليها .. لا يهديه الله .. أكنت تريد أن
يبدأ هؤلاء الناس بالكفر والظلم والفسوق ويصرون عليه ثم يهديهم الله؟ يهديهم قهرا
أو قسراً، والله سبحانه وتعالى خلقنا مختارين؟ طبعا لا .. ذلك يضع الاختيار البشري
في أن يطيع الإنسان أو يعصى.
والحق تبارك وتعالى أثبت طلاقة قدرته فيما نحن
مقهورون فيه .. في أجسادنا التي تعمل أعضاءها الداخلية بقهر من الله سبحانه وتعالى
وليس بإرادة منا كالقلب والتنفس والدورة الدموية .. والمعدة والأمعاء والكبد .. كل
هذا وغيره مقهور لله جل جلاله .. لا نستطيع أن نأمره ليفعل فيفعل .. وأن نأمره ألا
يفعل فلا يفعل .. وأثبت الله سبحانه وتعالى طلاقة قدرته فيما يقع علينا من أحداث في
الكون .. فهذا يمرض، وهذا تدهمه سيارة، وهذا يقع عليه حجر .. وهذا يسقط، وهذا يعتدي
عليه إنسان .. كل الأشياء التي تقع عليك لا دخل لك فيها ولا تستطيع أن تمنعها ..
بقى ذلك الذي يقع منك وأهمه تطبيق منهج الله في افعل ولا تفعل .. هذا لك اختيار
فيه.

إن الله سبحانه وتعالى أوجد لك هذا الاختيار حتى يكون الحساب في
الآخرة عدلا .. فإذا اخترت الكفر لا يجبرك الله على الإيمان .. وإذا اخترت الظلم لا
يجبرك الله على العدل .. وإذا اخترت الفسوق لا يجبرك الله على الطاعة .. إنه يحترم
اختيارك لأنه أعطاك هذا الاختيار ليحاسبك عليه يوم القيامة.

لقد أثبت الله
لنفسه طلاقة القدرة بأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء. ولكنه سبحانه قال إنه لا يهدي
القوم الكافرين ولا القوم الظالمين ولا القوم الفاسقين .. فمن يرد أن يخرج من هداية
الله فليكفر أو يظل أو يفسق .. ويكون في هذه الحالة هو الذي اختار فحق عليه عقاب
الله .. لذلك فقد قال الكافرون من بني إسرائيل إن الله ختم على قلوبهم فهم لا
يهتدون، ولكنهم هم الذين اختاروا هذا الطريق ومشوا فيه .. فاختاروا عدم الهداية ..

لقد أثارت هذه القضية جدلا كبيراً بين العلماء ولكنها في الحقيقة لا تستحق هذا
الجدل .. فالله سبحانه وتعالى قال: "بل لعنهم الله بكفرهم" .. واللعن هو الطرد
والإبعاد من رحمة الله .. ويتم ذلك بقدرة الله سبحانه وتعالى .. لأن الطرد يتناسب
مع قوة الطارد. فمثلا .. ابنك الصغير يطرد حجرا أمامه تكون قوة الطرد متناسبة مع
سنه وقوته .. والأكبر أشد فأشد .. فإذا كان الطارد هو الله سبحانه وتعالى فلا يكون
هناك مقدار لقوة اللعن والطرد يعرفه العقل البشري.

قوله تعالى: "بل لعنهم
الله بكفرهم" .. أي طردهم الله بسبب كفرهم .. والله تبارك وتعالى لا يتودد للناس
لكي يؤمنوا .. ولا يريد للرسل أن يتعبوا أنفسهم في حمل الناس على الإيمان .. إنما
وظيفة الرسول هي البلاغ حتى يكون الحساب حقا وعدلا .. واقرأ قوله جل جلاله:


{لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين "3" إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية
فظلت أعناقهم لها خاضعين "4"} (سورة الشعراء)

أي أهم لا يستطيعون ألا
يؤمنون إذا أردناهم مؤمنين قهرا .. ولكننا نريدهم مؤمنين اختيارا .. وإيمان العبد
هو الذي ينتفع به .. فالله لا ينتفع بإيمان البشر .. وقولنا لا إله إلا الله لا
يسند عرش الله .. قلناها أو لم نقلها فلا إله إلا الله .. ولكننا نقولها لتشهد
علينا يوم القيامة .. نقولها لتنجينا من أهوال يوم القيامة ومن غضب الله ..

وقوله تعالى: "بكفرهم" يعطينا قضية مهمة هي: أنه تبارك وتعالى أغنى الشركاء عن
الشرك.
فمن يشرك معه أحدا فهو لمن أشرك .. لذلك يقول الحق جل جلاله في الحديث
القدسي:
(أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته
وشركه).
وشهادة الله سبحانه وتعالى لنفسه بالألوهية .. هي شهادة الذات للذات ..
وذلك في قوله تعالى:

{شهد الله أنه لا إله إلا هو } (من الآية 18 سورة آل
عمران)

فالله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق خلقا يشهدون أنه لا إله إلا الله
.. شهد لنفسه بالألوهية ..
ولنقرأ الآية الكريمة:

{شهد الله أنه لا إله
إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط } (من الآية 18 سورة آل عمران)


والله سبحانه وتعالى شهد لنفسه شهادة الذات للذات. والملائكة شهدوا
بالمشاهدة .. وأولو العلم بالدليل .. والحق تبارك وتعالى يقول: "فقليلا ما يؤمنون"
.. عندما تقول قليلا ما يحدث كذا، فإنك تقصد به هنا صيانة الاحتمال، لأنه من الممكن
أن يثوب واحد منهم إلي رشده ويؤمن .. فيبقى الله الباب مفتوحا لهؤلاء. ولذلك نجد
الذين أسرفوا على أنفسهم في شبابهم قد يأتون في آخر عمرهم ويتوبون .. في ظاهر الأمر
أنهم أسرفوا على أنفسهم .. ولكنهم عندما تابوا واعترفوا بخطاياهم وعادوا إلي طريق
الحق تقبل الله إيمانهم .. لذلك يقول الله جل جلاله: "فقليلا ما يؤمنون" أي أن
الأغلبية تظل على كفرها .. والقلة هي التي تعود إلي الإيمان.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 02:02

(ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين
كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين "89")

بعد أن
بين لنا الله سبحانه وتعالى .. أن بني إسرائيل قالوا إن قلوبهم غلف لا يدخلها شعاع
من الهدى أو الإيمان .. أراد تبارك وتعالى أن يعطينا صورة أخرى لكفرهم بأنه أنزل
كتابا مصدقا لما معهم ومع ذلك كفروا به .. ولو كان هذا الكتاب مختلفا عن الذي معهم
لقنا إن المسألة فيها خلاف .. ولكنهم كانوا قبل أن يأتي رسول الله صلى الله عليه
وسلم وينزل عليه القرآن كانوا يؤمنون بالرسول والكتاب الذي ذكر عندهم في التوراة ..

وكانوا يقولون لأهل المدينة .. أهل زمن رسول سنؤمن به ونتبعه ونقتلكم قبل عاد
وإرم.
لقد كان اليهود يعيشون في المدينة .. وكان معهم الأوس والخزرج وعندما
تحدث بينهم خصومات كانوا يهددونهم بالرسول القادم .. فلما جاء رسول الله صلى الله
عليه وسلم كفروا به وبما أنزل عليه من القرآن. واليهود في كفرهم كانوا أحد أسباب
نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. لأن الأوس والخرزج عندما بعث الرسول عليه
الصلاة والسلام قالوا هذا النبي الذي يهددنا به اليهود وأسرعوا يبايعونه .. فكأن
اليهود سخرهم الله لنصرة الإسلام وهم لا يشعرون.
والرسول عليه الصلاة والسلام
كان يذهب إلي الناس في الطائف .. وينتظر القبائل عند قدومها إلي مكة في موسم الحج
ليعرض عليهم الدعوة فيصدونه ويضطهدونه .. وعندما شاء الله أن ينتشر دعوة الإسلام
جاء الناس إلي مكة ومعهم الأوس والخزرج إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذهب
هو إليهم، وأعلنوا مبايعته والإيمان برسالته ونشر دعوته .. دون أن يطلب عليه الصلاة
والسلام منهم ذلك .. ثم دعوه ليعيش بينهم في دار الإيمان .. كل هذا تم عندما شاء
الله أن ينصر الإسلام بالهجرة إلي المدينة وينصره بمن اتبعوه.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 02:02

ويقول الحق تبارك وتعالى: "وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا" .. أي أنهم قبل
أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستفتحون بأنه قد أطل زمن رسول سنؤمن
به ونتبعه .. فلما جاء الرسول كذبوه وكفروا برسالته.
وقوله تعالى: "على الذين
كفروا" .. أي كفار المدينة من الأوس والخزرج الذين لم يكونوا أسلموا بعد .. لأن
الرسول لم يأت .. الحق سبحانه وتعالى يعطينا تمام الصورة في قوله تعالى: "فلما
جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنه الله على الكافرين".
وهكذا نرى أن بني إسرائيل
فيهم جحود مركب جاءهم الرسول الذي انتظروه وبشروا به .. ولكن أخذهم الكبر رغم أنهم
موقنون بمجيء الرسول الجديد وأوصافه موجودة عندهم في التوراة إلا أنهم رفضوا أن
يؤمنوا فاستحقوا بذلك لعنة الله .. واللعنة كما قلنا هي الطرد من رحمة الله.


**************************************************
*****


(بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل
الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين "90")


عندما رفض اليهود الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وطردهم الله من
رحمته .. بين لنا أنهم: "بئسما اشتروا به أنفسهم" .. وكلمة اشترى سبق الحديث عنها
وقلنا إننا عادة ندفع الثمن ونأخذ السلعة التي نريدها .. ولكن الكافرين قلبوا هذا
رأسا على عقب وجعلوا الثمن سلعة .. على أننا لابد أن نتحدث أولا عن الفرق بين شرى
واشترى .. شرى بمعنى باع .. واقرأ قوله عز وجل:

{وشروه بثمن بخسٍ دراهم
معدودةٍ وكانوا فيه من الزاهدين "20"} (سورة يوسف)

ومعنى الآية الكريمة
أنهم باعوه بثمن قليل .. واشترى يعني ابتاع .. ولكن اشترى قد تأتي بمعنى شرى ..
لأنك في بعض الأحيان تكون محتاجا إلي سلعة ومعك مال .. وتذهب وتشتري السلعة بمالك
وهذا هو الوضع السليم .. ولكن لنفرض أنك احتجت لسلعة ضرورية كالدواء مثلا .. وليس
عندك المال ولكن عندك سلعة أخرى كأن يكون عندك ساعة أو قلم فاخر .. فتذهب إلي
الصيدلية وتعطي الرجل سلعة مقابل سلعة .. أصبح الثمن في هذه الحالة مشترى .. إذن
فمرة يكون البيع مشتري ومرة يكون مبيعاً ..
والحق تبارك وتعالى يقول: "بئسما
اشتروا به أنفسهم" .. وكأنما يعيرهم بأنهم يدعون الذكاء والفطنة .. ويؤمنون
بالمادية وأساسها البيع والشراء .. لو كانوا حقيقة يتقنون هذا لعرفوا أنهم قد أتموا
صفقة خاسرة .. الصفقة الرابحة كانت أن يشتروا أنفسهم مقابل التصديق بما أنزل الله
على محمد صلى الله عليه وسلم .. ولكنهم باعوا أنفسهم واشتروا الكفر فخسروا الصفقة
لأنهم أخذوا الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة .. والله سبحانه وتعالى يجعل بعض
العذاب في الدنيا ليستقيم ميزان الأمور حتى عند من لم يؤمن بالآخرة .. فعندما يرى
ذلك من لا يؤمن بالآخرة عذابا دنيويا يقع على ظالم .. يخاف من الظلم ويبتعد عنه حتى
لا يصيبه عذاب الدنيا ويعرف أن في الدنيا مقاييس في الثواب والعقاب .. وحتى لا
ينتشر في الأرض فساد من لا يؤمن بالله ولا بالآخرة .. وضع الحق تبارك وتعالى قصاصا
في الدنيا .. واقرأ قوله جل جلاله:

{ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب
لعلكم تتقون "179" } (سورة البقرة)

والله سبحانه وتعالى في قصاصه يلفت
المؤمن وغير المؤمن إلي عقوبة الحياة الدنيا .. فيأتي للمرابي الذي يمتص دماء الناس
ويصيبه بكارثة لا يجد بعدها ما ينفقه .. ولذلك نحن نقول يا رب إن القوم غرهم حلمك
واستبطأوا آخرتك فخذهم ببعض ذنوبهم أخذ عزيز مقتدر حتى يعتدل الميزان.


والله تبارك وتعالى جعل مصارع الظالمين والباغين والمتجبرين في الدنيا ..
جعلها الله عبرة لمن لا يعتبر بمنهج الله. فتجد إنسانا ابتعد عن دينه وأقبلت عليه
الدنيا بنعيمها ومجدها وشهرتها ثم تجده في آخر أيامه يعيش على صدقات المحسنين ..
وتجد امرأة غرها المال فانطلقت تجمع من كل مكان حلالا أو حراما وأعطتها الدنيا
بسخاء .. وفي آخر أيامها تزول عنها الدنيا فلا تجد ثمن الدواء .. وتموت فيجمع لها
الناس مصاريف جنازتها .. كل هذه الأحداث وغيرها عبرة للناس .. ولذلك فهي تحدث على
رؤوس الأشهاد .. يعفرها عدد كبير من الناس .. إما لأنها تنشر في الصحف وإما أنها
تذاع بين أهل الحي فيتناقلونها .. المهم أنها تكون مشهور.
وتجد مثلا أن اليهود
الذين كانوا زعماء المدينة تجار الحرب والسلاح .. ينتهي بهم الحال أن يطردوا من
ديارهم وتؤخذ أموالهم وتسبى نساؤهم .. أليس هذا خزيا؟

قوله تعالى: "أن
يكفروا يما أنزل الله بغيا" .. البغي تجاوز الحد، والله جعل لكل شيء حدا من تجاوزه
بغى .. والحدود التي وضعها الله سبحانه هي أحكام .. ومرة تكون أوامر ومرة تكون
نواهي. ولذلك يقول الحق بالنسبة للأوامر:

{تلك حدود الله فلا تعتدوها } (من
الآية 229 سورة البقرة)

ويقول تعالى بالنسبة للنواهي: {تلك حدود الله فلا
تقربوها } (من الآية 229 سورة البقرة)

ولكن ما سبب بغيهم؟ ببغيهم حسد على
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تأتي إليه الرسالة .. وعلى العرب أن يكون الرسول
منهم .. واليهود اعتقدوا لكثرة أنبيائهم أنهم الذين ورثوا رسالات الله إلي الأرض ..
وعندما جاءت التوراة والإنجيل يبشران برسول خاتم قالوا إنه منا .. الرسالة والنبوة
لن تخرج عنا فنحن شعب الله المختار .. ولذلك كانوا يعلنون أنهم سيتبعون النبي
القادم وينصرونه .. ولكنهم فوجئوا بأنه ليس منهم .. حينئذ ملأهم الكبر والحسد
وقالوا مادام ليس منا فلن نتبعه بل سنحاربه .. لقد خلعت منهم الرسالات لأنهم ليسوا
أهلا لها .. وكان لابد أن يعاقبهم الله على كفرهم ومعصيتهم ويجعل الرسالة في أمة
غيرهم .. والله تبارك وتعالى يقول:

{إن يشأ يذهبكم ويأت بخلقٍ جديدٍ "16"
وما ذلك على الله بعزيزٍ "17" } (سورة فاطر)

لقد اختبرهم الله في رسالات
متعددة ولكنهم كما قرأنا في الآيات السابقة .. كذبوا فريقا من الأنبياء. ومن لم
يكذبوه قتلوه .. لذلك كان لابد أن ينزع الله منهم هذه الرسالات ويجعلها في أمة
غيرهم .. لتكون أمة العرب فيها ختام رسالات السماء إلي الأرض .. ولذلك بغوا.


وقوله تعالى: "بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده" .. ومن هنا
نعرف أن الرسالات واختيار الرسل .. فضل من الله يختص به من يشاء .. والله سبحانه
حين يطلق أيدينا ويملكنا الأسباب .. فإننا لا نخرج عن مشيئته بل نخضع لها .. ونعرف
أنه لا ذاتية في هذا الكون .. وذلك حتى لا يغتر الإنسان بنفسه .. فإن بطل العالم في
لعبة معينة هو قمة الكمالات البشرية في هذه اللعبة .. ولكن هذه الكمالات ليست ذاتية
فيه لأن غيره يمكن أن يتغلب عليه .. ولأنه قد يصيبه أي عائق يجعله لا يصلح للبطولة
.. وعلى كل حال فإن بطولته لا تدوم .. لأنها ليست ذاتية فيه ومن وهبها له وهو الله
سيهبها لغيره متى شاء .. ولذلك لابد أن يعلم الإنسان أن الكمال البشري متغير لا
يدوم لأحد .. وأن كل من يبلغ القمة ينحدر بعد ذلك لأننا في عالم أغيار .. ولابد لكل
من علا أن ينزل .. فالكمال لله وحده .. والله سبحانه يحرس كماله بذاته. إذن اليهود
حسدوا رسول الله .. حسدوا نزول القرآن على العرب ..

والحق سبحانه يقول:
"فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين" .. والله جل جلاله يخبرنا أنه غضب عليهم
مرتين. الغضب الأول أنهم لم ينفذوا ما جاء في التوراة فغضب الله عليهم .. والغضب
الثاني حين جاءهم رسول مذكور عندهم في التوراة ومطلوب منهم أن يؤمنوا به فكفروا به
.. وكان المفروض أن يؤمنوا حتى يرضى الله عنهم .. ولذلك غضب الله عليهم مرة أخرى
عندما كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم ..

وقوله تعالى: "وللكافرين
عذاب مهين" .. العذاب في القرآن الكريم وصف بأنه أليم .. ووصف بأنه عظيم ووصف بأنه
مهين .. أليم أي شديد الألم يصيب من يعذب بألم شديد .. ولكن لنفرض أن الذي يعذب
يتجلد .. ويحاول ألا يظهر الألم حتى لا يشمت فيه الناس .. يأتيه الله بعذاب عظيم لا
يقدر على احتماله .. ذلك أن عظمة العذاب تجعله لا يستطيع أن يحتمل .. فإذا كان
الإنسان من الذين تزعموا الكفر في الدنيا .. ووقفوا أمام دين الله يحاربونه وتزعموا
قومهم .. يأتيهم الله تبارك وتعالى بعذاب مهين .. ويكون هذا أكثر إيلاما للنفس من
الألم .. تماما كما تأتي لرجل هو أقوى من في المنطقة يخافه الناس جميعا ثم تضربه
بيدك وتسقطه على الأرض .. تكون في هذه الحالة قد أهنته أمام الناس .. فلا يستطيع
بعد ذلك أن يتجبر أو يتكبر على واحد منهم .. ويكون هذا أشد إيلاما للنفس من ألم
العذاب نفسه ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:

{ثم لننزعن من كل شيعة أيهم
أشد على الرحمن عتياً "69" ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً "70" } (سورة
مريم)

وقوله جل جلاله: {ذق إنك أنت العزيز الكريم "49" } (سورة الدخان)


ذلك هو العذاب المهين.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 02:02

( وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه
وهو الحق مصدقاً لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين "91")


يبين لنا الحق سبحانه وتعالى موقف اليهود .. من عدم الإيمان برسالة رسول
الله صلى الله عليه وسلم .. مع أنهم أومروا بذلك في التوراة .. فيقول جل جلاله:
"وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله" أي إذا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
يؤمنوا بالإسلام وأن يؤمنوا بالقرآن رفضوا ذلك "وقالوا نؤمن بما أنزل علينا" أي
نؤمن بالتوراة ونكفر بما وراءه، أي بما نزل بعده. ونحن نعرف أن الكفر هو الستر ..
ولو أن محمدا صلى الله عليه وسلم جاء يناقض ما عندهم ربما قالوا: جاء ليهدم ديننا
ولذلك نكفر به .. ولكنه جاء بالحق مصدقا لما معهم.
إذن حين يكفرون بالقرآن
يكفرون أيضا بالتوراة .. لأن القرآن يصدق ما جاء في التوراة. وهنا يقيم الله تبارك
وتعالى عليهم الحجة البالغة .. إن كفركم هذا وسلوكك ضد كل نبي جاءكم .. ولو أنكم
تستقبلون الإيمان حقيقة بصدر رحب .. فقولوا لنا لم قتلتم أنبياء الله؟ .. ولذلك
يقول الحق: "فلم تقتلون أنبياء الله من قبل" .. هل هناك في كتابكم التوراة أن
تقتلوا أولياء الله .. كأن الحق سبحانه وتعالى قد أخذ الحجة من قولهم: "نؤمن بما
أنزل علينا ويكفرون بما وارءه" .. إذا كان هذا صحيحا وأنكم تؤمنون بما أنزل عليكم
فهاتوا لنا مما أنزل إليكم وهي التوراة ما يبيح لكم قتل الأنبياء إن كنتم مؤمنين
بالتوراة .. وطبعا لم يستطيعوا ردا لأنهم كفروا بما أنزل عليهم .. فهم كاذبون في
قولهم نؤمن بما أنزل علينا .. لأن ما ينزل عليهم لم يأمرهم بقتل الأنبياء .. فكأنهم
كفروا بما أنزل عليهم .. وكفروا بما أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام.


والقرآن يأتينا بالحجة البالغة التي تخرس أفواه الكافرين وتؤكد أنهم عاجزون
غير قادرين على الحجة في المناقشة .. وهنا لابد أن نتنبه إلي قوله تعالى: "فلم
تقتلوا أنبياء الله من قبل" .. قوله تعالى: "من قبل" طمأنة لرسول الله صلى الله
عليه وسلم إلي أن قتلهم الأنبياء انتهى، وفي الوقت نفسه قضاء على آمال اليهود في أن
يقتلوا محمدا عليه الصلاة والسلام .. والله يريد نزع الخوف من قلوب المؤمنين على
رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ما جرى للرسل السابقين من بني إسرائيل لن يجري
على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وبذلك قطع القرآن خط الرجعة على كل من يريد
أذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. لأن ذلك كان عهدا وانتهى .. وأنهم لو تآمروا
على قتله عليه الصلاة والسلام فلن يفلحوا ولن يصلوا إلي هدفهم.

واليهود بعد
نزول هذه الآية الكريمة لم يتراجعوا عن تآمرهم ولن يكفوا عن بغيهم في قتل الرسل
والأنبياء .. فحاولوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة .. مرة وهو في
حيهم ألقوا فوقه حجرا ولكن جبريل عليه السلام أنذره فتحرك رسول الله صلى الله عليه
وسلم من مكانه قبل إلقاء الحجر .. ومرة دسوا له السم، ومحاولات أخرى فشلت كلها.


إذن فقوله تعالى: "من قبل" معناها .. إن كنتم تفكرون في التخلص من محمد صلى
الله عليه وسلم بقتله كما فعلتم في أنبيائكم نقل لكم: إنكم لن تستطيعوا أن تقتلوه.
ولقد كانت هذه الآية كافية لإلقاء اليأس في نفوسهم حتى يكفوا عن أسلوبهم في قتل
الأنبياء ولكنهم ظلوا في محاولاتهم، وفي الوقت نفسه كانت الآية تثبيتا لرسول الله
صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين. بأن اليهود مهما تآمروا فلن يمكنهم الله من شيء ..
وقوله تعالى: "إن كنتم مؤمنين" .. أي بما أنزل إليكم.


************************************************** *****

( ولقد
جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون "92")

بعد أن
بين لنا الله سبحانه وتعالى رفضهم للإيمان بما أنزل على رسول الله صلى الله عليه
وسلم .. بحجة أنهم يؤمنون بما أنزل إليهم فقط .. أوضح لنا أن هذه الحجة كاذبة وأنهم
في طبيعتهم الكفر والإلحاد .. فقال سبحانه: "ولقد جاءكم موسى عليه السلام أيده الله
ببينات ومعجزات كثيرة كانت تكفي لتملأ قلوبكم بالإيمان وتجعلكم لا تعبدون إلا الله
.. فلقد شق لكم البحر ومررتم فيه وأنتم تنظرون وترون .. أي أن المعجزة لم تكن غيبا
عنكم بل حدثت أمامكم ورأيتموها .. ولكنكم بمجرد أن تجاوزتم البحر وذهب موسى للقاء
الله .. بمجرد أن حدث ذلك اتخذتم العجل إلها من دون الله وعبدتموه .. فكيف تدعون
أنكم آمنتم بما أنزل إليكم .. لو كنتم قد آمنتم به ما كنتم اتخذتم العجل إلها.


والحق تبارك وتعالى يريد أن ينقض حجتهم في أنهم يؤمنون بما أنزل إليهم ..
ويرينا أنهم ما آمنوا حتى بما أنزل إليهم .. فجاء بحكاية قتل الأنبياء .. ولو أنهم
كانوا مؤمنين حقا بما أنزل إليهم فليأتوا بما يبيح لهم قتل أنبيائهم ولكنهم كاذبون
.. أما الحجة الثانية فهي إن كنتم تؤمنون بما أنزل إليكم .. فقولوا لنا كيف وقد
جاءكم موسى بالآيات الواضحة من العصا التي تحولت إلي حية واليد البيضاء من غير سوء
والبحر الذي شققناه لكم لتنجو من قوم فرعون .. والقتيل الذي أحياه لله أمامكم بعد
أن ضربتموه ببعض البقرة التي ذبحتموها .. آيات كثيرة ولكن بمجرد أن ترككم موسى وذهب
للقاء ربه عبدتم العجل.
إذن فقولكم نؤمن بما أنزل إلينا غير صحيح .. فلا أنتم
مؤمنون بما أنزل إليكم ولا أنتم مؤمنون بما أنزل من بعدكم .. وكل هذه حجج الهدف
منها عدم الإيمان أصلا.

وقوله تعالى: "ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم
ظالمون" .. واتخاذ العجل في ذاته ليس معصية إذا اتخذته للحرث أو للذبح لتأكل لحمه
.. ولكن المعصية هي اتخاذ العجل معبودا .. وقوله تعالى: "اتخذتم العجل" .. أي أن
ذلك أمر مشهود ولا إلي شهادة لأنه حدث علنا وأمام الناس كلهم .. وذكر حكاية العجل
هذه ليشعروا بذنبهم في حق الله .. كأن يرتكب الإنسان خطأ ثم يمر عليه وقت .. وكلما
أردنا أن نؤنبه ذكرناه بما فعل ..
وقوله تعالى: "وأنتم ظالمون" .. أي ظالمون في
إيمانكم .. ظالمون في حق الله بكفركم به.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 02:03

(وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا
وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين
" 93")

بعد أن ذكرهم الله سبحانه وتعالى بكفرهم بعبادتهم للعجل .. وكان هذا
نوعا من التأنيب الشديد والتذكير بالكفر .. أراد أن يؤنبهم مرة أخرى وأن يذكرهم
أنهم آمنوا خوفا من وقوع جبل الطور عليهم .. ولم يكن الجبل سيقع عليهم .. لأن الله
لا يقهر أحدا على الإيمان .. ولكنهم بمجرد أن رأوا جبل الطور فوقهم آمنوا .. مثلهم
كالطفل الذي وصف له الطبيب دواء مرا ليشفى ولذلك فإن رفع الله سبحانه وتعالى لجبل
الطور فوقهم ليأخذوا الميثاق والمنهج .. لا يقال إنه فعل ذلك إرغاما لكي يؤمنوا ..
إنه إرغام المحب .. يريد الله من خلقه ألا يعيشوا بلا منهج سماوي فرفع فوقهم جبل
الطور إظهارا لقوته وقدرته تبارك وتعالى حتى إذا استشعروا هذه القوة الهائلة وما
يمكن أن تفعله لهم وبهم آمنوا .. فكأنهم حين أحسوا بقدرة الله آمنوا .. تماما
كالطفل الصغير يفتح فمه لتناول الدواء المر وهو كاره .. ولكن هل أعطيته الدواء كرها
فيه أو أعطيته له قمة في الحب والإشفاق عليه؟
الله سبحانه وتعالى يريد أن
يلفتهم إلي أنه لم يترك حيلة من الحيل حتى يتلقى بنو إسرائيل منهج الله الصحيح ..
نقول إنه لم يترك حيلة إلا فعلها .. لكن غريزة الاستكبار والعناد منعتهم أن يستمروا
على الإيمان .. تماما كما يقال للأب إن الدواء مر لم يحقق الشفاء وطفلك مريض ..
فيقول وماذا افعل أكثر من ذلك أرغمته على شرب الدواء المر ولكنه لم يشف.


وقول الله تعالى: "ميثاقكم". هل الميثاق منهم أو هو ميثاق الله؟. طبعا هو
ميثاق الله .. ولكن الله جل جلاله خاطبهم بقوله: "ميثاقكم" لأنهم أصبحوا طرفا في
العقد .. وماداموا قد أصبحوا طرفا أصبح ميثاقهم .. ولابد أن نؤمن أن رفع جبل الطور
فوق اليهود لم يكن لإجبارهم لأخذ الميثاق منهم حتى لا يقال أنهم أجبروا على ذلك ..
هم اتبعوا موسى قبل أن يرفع فوقهم جبل الطور .. فلابد أنهم أخذوا منهجه باختيارهم
وطبقوه باختيارهم لأن الله سبحانه وتعالى لم يبق الطور مرفوعا فوق رءوسهم أينما
كانوا طوال حياتهم حتى يقال أنهم أجبروا .. فلو أنهم أجبروا لحظة وجود جبل الطور
فوقهم .. فإنهم بعد أن انتهت هذه المعجزة لم يكن هناك ما يجبرهم على تطبيق المنهج
.. ولكن المسألة أن الله تبارك وتعالى .. حينما يرى من عباده مخالفة فإنه قد يخيفهم
.. وقد يأخذهم بالعذاب الأصغر علهم يعودون إلي إيمانهم .. وهذا يأتي من حب الله
لعباده لأنه يريدهم مؤمنين ..
ولكن اليهود قوم ماديون لا يؤمنون إلا بالمادة
والله تبارك وتعالى أراد أن يريهم آية مادية على قلوبهم تخشع وتعود إلي ذكر الله ..
وليس في هذا إجبار لأنه كما قلنا إنه عندما انتهت المعجزة كان يمكنهم أن يعودوا إلي
المعصية .. ولكنها آية تدفع إلي الإيمان ..

وقوله تعالى: "خذوا ما آتيناكم
بقوة" لأن ما يؤخذ بقوة يعطى بقوة .. والأخذ بقوة يدل على عشق الآخذ للمأخوذ ..
ومادام المؤمن يعشق المنهج فإنه سيؤدي مطلوباته بقوة .. فالإنسان دائما عندما يأخذ
شيئا لا يحبه فإنه يأخذه بفتور وتهاون.

قوله تعالى: "واسمعوا قالوا سمعنا
وعصينا" .. القول هو عمل اللسان والفعل للجوارح كلها ما عدا اللسان .. هناك قول
وفعل وعمل .. القول أن تنطق بلسانك والفعل أن تقوم جوارحك بالتنفيذ .. والعمل أن
يطابق القول الفعل .. هم: "قالوا سمعنا وعصينا" هم سمعوا ما قاله لهم الله سبحانه
وتعالى وعصوه .. ولكنها معطوفة على (قالوا) .. قالوا سمعنا في القول وفي الفعل
عصينا .. وليس معنى ذلك أنهم قالوا بلسانهم عصينا في الفعل .. فالمشكلة جاءت من عطف
عصينا على سمعنا .. فتحسب أنهم قالوا الكلمتين .. لا .. هم قالوا سمعنا ولكنهم لم
ينفذوا فلم يفعلوا والله سبحانه وتعالى يريدهم أن يسمعوا سماع طاعة لا سماع تجرد أي
مجرد سماع .. ولكنهم سمعوا ولم يفعلوا شيئا فكأن عدم فعلهم معصية.

قوله
تعالى: "وأشربوا في قلوبهم العجل". الحق تبارك وتعالى يريد أن يصور لنا ماديتهم ..
فالحب أمر معنوي وليس أمراً مادياً لأنه غير محسوس .. وكان التعبير يقتضي أن يقال
وأشربوا حب العجل .. ولكن الذي يتكلم هو الله .. يريد أن يعطينا الصورة الواضحة
الكاملة في أنهم أشربوا العجل ذاته أي دخل العجل إلي قلوبهم. لكن كيف يمكن أن يدخل
العجل في هذا الضيق وهو القلب .. الله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلي الشيوع في
كل شيء بكلمة أشربوا .. لأنها وصف لشرب الماء والماء يتغلغل في كل الجسم .. والصورة
تعرب عن تغلغل المادية في قلوب بني إسرائيل حتى كأن العجل دخل في قلوبهم وتغلغل كما
يدخل الماء في الجسم مع أن القلب لا تدخله الماديات.

ويقول الحق جل جلاله:
"وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم" .. كأن الكفر هو الذي أسقاهم العجل .. هم كفروا
أولا .. وبكفرهم دخل العجل إلي قلوبهم وختم عليها ..
وقوله تعالى: "قل بئسما
يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين" .. هم قالوا نؤمن بما أنزل علينا ولا نؤمن بما
جاء بعده .. قل هل إيمانكم يأمركم بهذا؟ .. وهذا أسلوب تهكم من القرآن الكريم عليهم
.. مثل قوله تعالى:

{أخرجوا آل لوطٍ من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } (من
الآية 56 سورة النمل)

هل الطهر والطهارة مبرر لإخراج آل لوط من القرية؟ ..
طبعا لا .. ولكنه أسلوب تهكم واستنكار .. والحق أن إيمانهم بهذا بل يأمرهم بالإيمان
برسالة محمد صلى الله عليه وسلم .. واقرأ قوله تبارك وتعالى:

{واكتب لنا في
هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت
كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون "156" الذين
يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم
بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم
والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل
معه أولئك هم المفلحون "157"}
(سورة الأعراف)
هذا هو ما يأمرهم به إيمانهم
.. أن يؤمنوا بالنبي الأمي محمد عليه الصلاة والسلام .. والله تبارك وتعالى يعلم ما
يأمرهم به الإيمان لأنه منه جل جلاله .. ولذلك عندما يحاولون خداع الله .. يتهكم
الله سبحانه وتعالى عليهم ويقول "بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين".

وقوله تعالى: "إن كنتم مؤمنين" دليل على أنهم ليسوا مؤمنين .. ولكن لازال في
قلوبهم الشرك والكفر أو العجل الذي عبدوه.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}
avatar

انثى
المساهمات : 943
الجنسية : مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة : 3
عدد النقاط : 1912
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الإثنين 06 أبريل 2009, 02:03

(قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم
صادقين " 94")

والله سبحانه وتعالى يريد أن يفضح اليهود .. ويبين إن
إيمانهم غير صحيح وأنهم عدلوا وبدلوا واشتروا بآيات الله ثمنا قليلا .. وهو سبحانه
يريدنا أن نعرف أن هؤلاء اليهود .. لم يفعلوا ذلك عن جهل ولا هم خدعوا بل هم يعملون
أنهم غيروا وبدلوا .. ويعرفون أنهم جاءوا بكلام ونسبوه إلي الله سبحانه وتعالى زورا
وبهتانا .. ولذلك يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفضحهم أمام الناس ويبين
كذبهم بالدليل القاطع .. فيقول: "قل إن كانت لكم الدار الآخرة": "قل" موجهة إلي
رسول الله صلى الله عليه وسلم أي قل لهم يا محمد .. ولا يقال هذا الكلام إلا إذا
كان اليهود قالوا إن لهم: "الدار الآخرة عند الله خالصة".
الشيء الخالص هو
الصافي بلا معكر أو شريك. أي الشيء الذي لك بمفردك لا يشاركك فيه أحد ولا ينازعك
فيه أحد .. فالله سبحانه وتعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: إن كانت الآخرة
لهم وحدهم عند الله لا يشاركهم فيها أحد .. فكان الواجب عليهم أن يتمنوا الموت
ليذهبوا إلي نعيم خالد .. فمادامت لهم الدار الآخرة وماداموا موقنين من دخول الجنة
وحدهم .. فما الذي يجعلهم يبقون في الدنيا .. ألا يتمنون الموت كما تمنى المسلمون
الشهادة ليدخلوا الجنة .. وليست هذه هي الافتراءات الوحيدة من اليهود على الله
سبحانه وتعالى .. واقرأ قوله جل جلاله:

{وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان
هوداً أو نصارى } (من الآية 111 سورة البقرة)

من الذي قال؟ اليهود قالوا عن
أنفسهم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا والنصارى قالوا عن أنفسهم لن يدخل الجنة إلا
من كان نصرانيا .. كل منهم قال عن نفسه إن الجنة خاصة به. ولقد شكل قولهم هذا لنا
لغزا في العقائد .. من الذي سيدخل الجنة وحده .. اليهود أم النصارى؟ نقول: إن الله
سبحانه وتعالى أجاب عن هذا السؤال بقوله جل جلاله:

{وقالت اليهود ليست
النصارى على شئ وقالت النصارى ليست اليهود على شيءٍ }
(من الآية 113 سورة
البقرة)

وهذا أصدق قول قالته اليهود وقالته النصارى بعضهم لبعض. فاليهود
ليسوا على شيء والنصارى ليسوا على شيء .. وكلاهما صادق في مقولته عن الآخر .. في
الآية الكريمة التي نحن بصددها .. اليهود قالوا إن الدار الآخرة خالصة لهم ..
سنصدقهم ونقول لهم لماذا لا يتعجلون ويتمنون الموت .. فالمفروض أنهم يشتاقون للآخرة
مادامت خالصة لهم .. ولذلك قال الله تبارك وتعالى: "فتمنوا الموت إن كنتم صادقين"
.. ولكنها أمانٍ كاذبة عند اليهود وعند النصارى .. واقرأ قوله سبحانه:


{وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل
أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما
وإليه المصير "18"} (سورة المائدة)

إذن هم يتوهمون أنهم مهما فعلوا من ذنوب
فإن الله لن يعذبهم يوم القيامة ولكن عدل الله يأبى ذلك .. كيف يعذب بشرا بذنوبهم
ثم لا يعذب اليهود بما اقترفوا من ذنوب .. بل يدخلهم الجنة في الآخرة .. وكيف يجعل
الله سبحانه وتعالى الجنة في الآخرة لليهود وحدهم .. وهو قد كتب رحمته لأتباع محمد
صلى الله عليه وسلم والمؤمنين برسالة الإسلام .. وأبلغ اليهود والنصارى بذلك في
كتبهم .. واقرأ قوله سبحانه وتعالى:

{واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي
الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين
يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون "156" الذين يتبعون الرسول النبي
الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل}

إذا كانت هذه هي
الحقيقة الموجودة في كتبهم .. والحق تبارك وتعالى يقول:

{ومن يبتغ غير
الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين "85"} (سورة آل عمران)


فكيف يدعي اليهود أن الدار الآخرة خالصة لهم يوم القيامة؟ ولكن الحق جل
جلاله يفضح كذبهم ويؤكد لنا أن ما يقولونه هم أول من يعرف إنه كذب.


************************************************** *************
(ولن
يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين " 95")

إنهم لن يتمنوا
الموت أبدا بل يخافوه .. والله تبارك وتعالى حين أنزل هذه الآية .. وضع قضية
الإيمان كله في يد اليهود .. بحيث يستطيعون إن أرادوا أن يشككوا في هذا الدين ..
كيف؟ ألم يكن من الممكن عندما نزلت هذه الآية أن يأتي عدد من اليهود ويقولوا ليتنا
نموت .. نحن نتمنى الموت يا محمد. فادع لنا ربك يميتنا .. ألم يكن من الممكن أن
يقولوا هذا؟ ولو نفاقا .. ولو رياءً ليهدموا هذا الدين .. ولكن حتى هذه لم يقولوها
ولم تخطر على بالهم .. انظر إلي الإعجاز القرآني في قوله سبحانه: "ولن يتمنوه".

لقد حكم الله سبحانه حكما نهائيا في أمر اختياري لعدو يعادي الإسلام .. وقال إن
هذا العدو وهم اليهود لن يتمنوا الموت .. وكان من الممكن أن يفطنوا لهذا التحدي ..
ويقولوا بل نحن نتمنى الموت ونطلبه من الله .. ولكن حتى هذه لم تخطر على بالهم؛ لأن
الله تبارك وتعالى إذا حكم في أمر اختياري فهو يسلب من أعداء الدين تلك الخواطر
التي يمكن أن يستخدموها في هدم الدين .. فلا تخطر على بالهم أبدا مثلما تحداهم الله
سبحانه من قبل في قوله تعالى:

{سيقول السفهاء من الناس ماولاهم عن قبلتهم
التي كانوا عليها } (من الآية 142 سورة البقرة)

ولقد نزلت هذه الآية
الكريمة قبل أن يقولوا .. بدليل استخدام حرف السين في قوله: "سيقول" .. ووصفهم الله
جل جلاله بالسفهاء .. ومع ذلك فقد قالوا .. ولو أن عقولهم تنبهت لسكتوا ولم يقولوا
شيئا .. وكان في ذلك تحدٍ للقرآن الكريم .. كانوا سيقولون لقد قال الله سبحانه
وتعالى: "سيقول السفهاء من الناس" .. ولكن أحدا لم يقل شيئا فأين هم هؤلاء السفهاء
ولماذا لم يقولوا؟ وكان هذا يعتبر تحديا للقرآن الكريم في أمر يملكون فيه حرية
الاختيار .. ولكن لأن الله هو القائل والله هو الفاعل .. لم يخطر ذلك على بالهم
أبدا، وقالوا بالفعل.

في الآية الكريمة التي نحن بصددها .. تحداهم القرآن
أن يتمنوا الموت ولم يتمنوه .. وكان الكلام المنطقي مادامت الدار الآخرة خالصة لهم
.. والله تحداهم أن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين لتمنوه .. ليذهبوا إلي نعيم أبدي
.. ولكن الحق حكم مسبقا أن ذلك لن يحدث منهم .. لماذا؟ لأنهم كاذبون ويعلمون أنهم
كاذبون .. لذلك فهم يهربون من الموت ولا يتمنونه. انظروا مثلا إلي العشرة المبشرين
بالجنة .. عمار بن ياسر في الحرب في حنين .. كان ينشد وهو يستشهد الآن ألقى الأحبة
محمدا وصحبه .. كان سعيدا لأنه أصيب وكان يعرف وهو يستشهد أنه ذاهب إلي الجنة عند
محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته .. هكذا تكون الثقة في الجزاء والبشرى بالجنة ..
وعبد الله بن رواحة كان يحارب وهو ينشد ويقول:
يا حبـذا الجـنة واقتـرابـها
طيـبة وبـارد وشـرابـها
والإمام علي رضي الله عنه يدخل معركة حنين ويرتدي غلالة
ليس لها دروع .. لا ترد سهما ولا طعنة رمح .. حتى إن ابنه الحسن يقول له: يا أبي
ليست هذه لباس حرب .. فيرد علي كرم الله وجهه: يا بني إن أباك لا يبالي أسقط على
الموت أم سقط الموت عليه .. وسيدنا حذيفة بن اليمان ينشد وهو يحتضر .. حبيب جاء على
ناقة لا ربح من ندم .. إذن الذين يثقون بآخرتهم يحبون الموت. وفي غزوة بدر سأل أحد
الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. يا رسول الله أليس بيني وبين الجنة إلا أن
أقاتل هؤلاء فيقتلوني .. فيجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم .. وكان في يد
الصحابي تمرات يمضغها .. فيستبطئ أن يبقى بعيدا عن الجنة حتى يأكل التمرات فيلقيها
من يده ويدخل المعركة ويستشهد.
هؤلاء هم الذين يثقون بما عند الله في الآخرة ..
ولكن اليهود عندما تحداهم القرآن الكريم بقوله لهم: "فتمنوا الموت إن كنتم صادقين"
.. سكنوا ولم يجيبوا .. ولو تمنوا الموت لانقطع نفس الواحد منهم وهو يبلع ريقه
فماتوا جميعا .. قد يقول قائل وهل التمني باللسان؟ ربما تمنوا بالقلب .. نقول ما هو
التمني؟ نقول إن التمني هو أن تقول لشيء محبوب عندك ليته يحدث. فهو قول .. وهب أنه
عمل قلبي فلو أنهم تمنوا بقلوبهم لأطلع الله عليها وأماتهم في الحال .. ولكن مادام
الحق تبارك وتعالى قال: "ولن يتمنوه أبدا" .. فهم لن يتمنوه سواء كان باللسان أو
بالقلب .. لأن الإدعاء منهم بأن لهم الجنة عند الله خالصة أشبهة بقولهم الذي يرويه
لنا القرآن في قوله سبحانه:

{وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل
أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون "80" }
(سورة البقرة)

وقوله تعالى: "بما قدمت أيديهم" .. أي أن أعمالهم السيئة
تجعلهم يخافون الموت .. أما صاحب الأعمال الصالحة فهو يسعد بالموت .. ولذلك نسمع أن
فلانا حين مات كان وجهه أشبه بالبدر لأن عمله صالح .. فساعة الموت يعرف فيها
الإنسان يقينا أنه ميت .. فالإنسان إذا مرض يأمل في الشفاء ويستبعد الموت .. ولكن
ساعة الغرغرة يتأكد الإنسان أنه ميت ويستعرض حياته في شريط عاجل .. لأنه في هذه
الساعة والروح تغادر الجسد يعرف الإنسان مصيره إما إلي الجنة وإما إلي النار ..
وتتسلمه إما ملائكة الرحمة وإما ملائكة العذاب .. فالذي أطاع الله يستبشر بملائكة
الرحمة .. والذي عصى وفعل ما يغضب الله يستعرض شريط أعماله .. فيجده شريط سوء وهو
مقبل على الله .. وليست هناك فرصة للتوبة أو لتغيير أعماله .. عندما يرى مصيره إلي
النار تنقبض أساريره وتقبض روحه على هذه الهيئة .. فيقال فلان مات وهو أسود الوجه
منقبض الأسارير.
إذن فالذي أساء في دنياه لا يتمنى الموت أبدا .. أما صاحب
العمل الصالح فإنه يستبشر بلقاء الله.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 5 من اصل 6انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى عشاق النبي :: ~¤ô¦¦§¦¦ô¤~ القسم الاسلامي ~¤ô¦¦§¦¦ô¤~ :: منتدى القرآن الكريم و الحديث الشريف .-
انتقل الى: