منتدى عشاق النبي

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي


سنة نبينا هي طريقنا .
 
الرئيسيةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3 ... 8 ... 15  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}


انثى
المساهمات : 943
الجنسية: مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة: 3
عدد النقاط: 1912
مزاجي:

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الأحد 05 أبريل 2009, 20:24

على أننا نلاحظ أن الرحمن
الرحيم من صيغ المبالغة .. يقال راحم ورحمن ورحيم .. إذا قيل راحم فيه صفة الرحمة
.. وإذا قيل رحمن تكون مبالغة في الصفة .. وإذا قيل رحيم تكون مبالغة في الصفة ..
والله سبحانه وتعالى رحمن الدنيا ورحيم الآخرة..
صفات الله سبحانه وتعالى لا
تتأرجح بين القوة والضعف ..
وإياكم أن تفهموا أن الله تأتيه الصفات مرة قليلة
ومرة كثيرة. بل هي صفات الكمال المطلق ..
ولكن الذي يتغير هو متعلقات هذه
الصفات ..
اقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:

{إن الله لا يظلم مثقال ذرةٍ
"40"}
(سورة النساء)

هذه الآية الكريمة .. نفت الظلم عن الله سبحانه
وتعالى، ثم تأتي الآية الكريمة بقول الله جل جلاله:

{وما ربك بظلامٍ للعبيد
"46"}
(سورة فصلت)

نلاحظ هنا استخدام صيغة المبالغة .. "ظلام" .. أي
شديد الظلم .. وقول الحق سبحانه وتعالى: "ليس بظلام" .. لا تنفي الظلم ولكنها تنفي
المبالغة في الظلم، تنفي أن يظلم ولو مثقال ذرة .. نقول أنك لم تفهم المعنى .. أن
الله لا يظلم أحدا .. الآية الأولى نفت الظلم عن الحق تبارك وتعالى ولو مثقال ذرة
بالنسبة للعبد .. والآية الثانية لم تقل للعبد ولكنها قالت للعبيد .. والعبيد هم كل
خلق الله .. فلو أصاب كل واحدا منهم أقل من ذرة من الظلم مع هذه الأعداد الهائلة ..
فإن الظلم يكون كثيراً جداً، ولو أنه قليل في كميته لأن عدد من سيصاب به هائل ..
ولذلك فإن الآية الأولى نفت الظلم عن الله سبحانه وتعالى. والآية الثانية نفت الظلم
أيضا عن الله تبارك وتعالى .. ولكن صيغة المبالغة استخدمت لكثرة عدد الذين تنطبق
عليهم الآية الكريمة.

نأتي بعد ذلك إلي رحمن ورحيم .. رحمن في الدنيا لكثرة
عدد الذين يشملهم الله سبحانه وتعالى برحمته .. فرحمة الله في الدنيا تشمل المؤمن
والعاصي والكافر .. يعطيهم الله مقومات حياتهم ولا يؤاخذهم بذنوبهم، يرزق من آمن به
ومن لم يؤمن به، ويعفو عن كثير .. إذن عدد الذين تشملهم رحمة الله في الدنيا هم كل
خلقه. بصرف النظر عن إيمانهم.

ولكن في الآخرة الله رحيم بالمؤمنين فقط ..
فالكفار والمشركون مطرودون من رحمة الله .. إذن الذين تشملهم رحمة الله في الآخرة
.. أقل عددا من الذين تشملهم رحمة الله في الدنيا .. فمن أين تأتي المبالغة؟ ..
تأتي المبالغة في العطاء وفي الخلود في العطاء .. فنعم الله في الآخرة اكبر كثيراً
منها في الدنيا .. المبالغة هنا بكثرة النعم وخلودها .. فكأن المبالغة في الدنيا
بعمومية العطاء، والمبالغة في الآخرة بخصوصية العطاء للمؤمن وكثرة النعم والخلود
فيها.

لقد اختلف عدد العلماء حول بسم الله الرحمن الرحيم .. وهي موجودة في
113 سورة من القرآن الكريم هل هي من آيات السور نفسها .. بمعنى أن كل سورة تبدأ
"بسم الله الرحمن الرحيم" تحسب البداية على أنها الآية الأولى من السورة، أم أنها
حسبت فقط في فاتحة الكتاب، ثم بعد ذلك تعتبر فواصل بين السور..
وقال العلماء أن
"بسم الله الرحمن الرحيم" آية من آيات القرآن الكريم .. ولكنها ليست آية من كل سورة
ما عدا فاتحة الكتاب فهي آية من الفاتحة .. وهناك سورة واحدة في القرآن الكريم لا
تبدأ بـ"بسم الله الرحمن الرحيم" وهي سورة التوبة وتكررت بسم الله الرحمن الرحيم في
الآية 30 من سورة النمل في قوله تعالى:

{إنه من سليمان وإنه بسم الله
الرحمن الرحيم "30"}
(سورة النمل)

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}


انثى
المساهمات : 943
الجنسية: مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة: 3
عدد النقاط: 1912
مزاجي:

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الأحد 05 أبريل 2009, 20:24

(الحمد لله رب العالمين "2"
الرحمن الرحيم "3")

فاتحة الكتاب هي أم الكتاب، لا تصلح الصلاة بدونها، فأنت
في كل ركعة تستطيع أن تقرأ آية من القرآن الكريم، تختلف عن الآية التي قرأتها في
الركعة السابقة، وتختلف عن الآيات التي قرأتها في صلواتك ..

ولكن إذا لم
تقرأ الفاتحة فسدت الصلاة، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من صلى صلاة لم
يقرأ فيها أم القرآن فهي خداج ثلاثا غير تام" أي غير صالحة.

فالفاتحة أم
الكتاب التي لا تصلح الصلاة بدونها، والله سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي: "قسمت
الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل .. فإذا قال العبد الحمد لله رب
العالمين. قال الله عز وجل حمدني عبدي. فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله عز وجل:
أثنى علي عبدي، فإذا قال مالك يوم الدين، قال الله عز وجل مجدني عبدي .. فإذا قال
إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله عز وجل هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل .. وإذا
قال: "اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا
الضالين" قال الله عز وجل: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.

وعلينا أن نتنبه ونحن
نقرأ هذا الحديث القدسي أن الله تعالى يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، ولم يقل
قسمت الفاتحة بيني وبين عبدي، ففاتحة الكتاب هي أساس الصلاة، وهي أم الكتاب.


نلاحظ أن هناك ثلاثة أسماء لله قد تكررت في بسم الله الرحمن الرحيم، وفي
فاتحة الكتاب، وهذه الأسماء هي: الله. والرحمن والرحيم. نقول أن ليس هناك تكرار في
القرآن الكريم، وإذا تكرر اللفظ فيكون معناه في كل مرة مختلفا عن معناه في المرة
السابقة، لأن المتكلم هو الله سبحانه وتعالى .. ولذلك فهو يضع اللفظ في مكانه
الصحيح، وفي معناه الصحيح..

قولنا: "بسم الله الرحمن الرحيم" هو استعانة
بقدرة الله حين نبدأ فعل الأشياء .. إذن فلفظ الجلالة "الله" في بسم الله، معناه
الاستعانة بقدرات الله سبحانه وتعالى وصفاته. لتكون عونا لنا على ما نفعل. ولكن إذا
قلنا: الحمد لله .. فهي شكر لله على ما فعل لنا. ذلك أننا لا نستطيع أن نقدم الشكر
لله إلا إذا استخدمنا لفظ الجلالة. الجامع لكل صفات الله تعالى. لأننا نحمده على كل
صفاته ورحمته بنا حتى لا نقول بسم القهار وبسم الوهاب وبسم الكريم، وبسم الرحمن ..
نقول الحمد لله على كمال صفاته، فيشمل الحمد كمال الصفات كلها.

وهناك فرق
بين "بسم الله" الذي نستعين به على ما لا قدرة لنا عليه .. لأن الله هو الذي سخر كل
ما في الكون، وجعله يخدمنا، وبين "الحمد لله" فإن لفظ الجلالة إنما جاء هنا لنحمد
الله على ما فعل لنا. فكأن "بسم الله في البسملة" طلب العون من الله بكل كمال صفاته
.. وكأن الحمد لله في الفاتحة تقديم الشكر لله بكل كمال صفاته.

و"الرحمن
الرحيم" في البسملة لها معنى غير "الرحمن الرحيم" في الفاتحة، ففي البسملة هي
تذكرنا برحمة الله سبحانه وتعالى وغفرانه حتى لا نستحي ولا نهاب أن نستعين باسم
الله أن كنا قد فعلنا معصية .. فالله سبحانه وتعالى يريدنا أن نستعين باسمه دائما
في كل أعمالنا.

فإذا سقط واحد منا في معصية، قال كيف استعين باسم الله، وقد
عصيته؟
نقول له ادخل عليه سبحانك وتعالى من باب الرحمة .. فيغفر لك وتستعين به
فيجيبك.
وأنت حين تسقط في معصية تستعيذ برحمة الله من عدله، لأن عدل الله لا
يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

واقرأ قول الله تعالى:

{ووضع
الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر
صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحد "49"}

(سورة الكهف)

ولولا رحمة الله التي سبقت عدله. ما بقى للناس نعمة وما
عاش أحد على ظهر الأرض .. فالله جل جلاله يقول:

{ولو يؤاخذ الناس بظلمهم ما
ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلي أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا
يستقدمون "61"}
(سورة النحل)

فالإنسان خلق ضعيفا، وخلق هلوعا. ورسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"لا يدخل أحدكم الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله
برحمته، قالوا: حتى أنت يا رسول الله قال: حتى أنا".

فذنوب الإنسان في
الدنيا كثيرة .. إذا حكم فقد يظلم. وإذا ظن فقد يسئ .. وإذا تحدث فقد كذب .. وإذا
شهد فقد يبتعد عن الحق .. وإذا تكلم فقد يغتاب.
هذه ذنوب نرتكبها بدرجات
متفاوتة. ولا يمكن لأحد منا أن ينسب الكمال لنفسه حتى الذين يبذلون أقصى جهدهم في
الطاعة لا يصلون إلي الكمال، فالكمال لله وحده. ورسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون".
ويصف الله سبحانه وتعالى
الإنسان في القرآن الكريم:

{وأتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله
لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار "34"}
(سورة إبراهيم)

ولذلك أراد الحق
سبحانه وتعالى ألا تمنعنا المعصية عن أن ندخل إلي كل عمل باسم الله .. فعلمنا أن
نقول: "بسم الله الرحمن الرحيم" لكي نعرف أن الباب مفتوح للاستعانة بالله. وأن
المعصية لا تمنعنا من الاستعانة في كل عمل باسم الله .. لأنه رحمن رحيم، فيكون الله
قد أزال وحشتك من المعصية في الاستعانة به سبحانه وتعالى.

ولكن الرحمن
الرحيم في الفاتحة مقترنة برب العالمين، أوجدك من عدم .. وأمدك بنعم لا تعد ولا
تحصى. أنت تحمده على هذه النعم التي أخذتها برحمة الله سبحانه وتعالى في ربوبيته،
ذلك أن الربوبية ليس فيها من القسوة بقدر ما فيها من رحمة.
والله سبحانه وتعالى
رب للمؤمن والكافر، فهو الذي استدعاهم جميعا إلي الوجود. ولذلك فإنه يعطيهم من
النعم برحمته .. وليس بما يستحقون .. فالشمس تشرق على المؤمن والكافر .. ولا تحجب
أشعتها عن الكافر وتعطيها للمؤمن فقط، والمطر ينزل على من يبعدون الله. ومن يعبدون
أوثانا من دون الله. والهواء يتنفسه من قال لا إله إلا الله ومن لم يقلها.


وكل النعم التي هي من عطاء الربوبية لله يه في الدنيا لخلقه جميعا، وهذه
رحمة .. فالله رب الجميع من أطاعه ومن عصاه. وهذه رحمة، والله قابل للتوبة، وهذه
رحمة ..

إذن ففي الفاتحة تأتي "الرحمن الرحيم" بمعنى رحمة الله في ربوبيته
لخلقه، فهو يمهل العاصي ويفتح أبواب التوبة لكل من يلجأ إليه.

وقد جعل الله
رحمته تسبق غضبه. وهذه رحمة تستوجب الشكر. فمعنى "الرحمن الرحيم" في البسملة يختلف
عنها في الفاتحة. فإذا انتقلنا بعد ذلك إلي قوله تعالى: "الحمد لله رب العالمين"
فالله محمود لذاته ومحمود لصفاته، ومحمود لنعمه، ومحمود لرحمته، ومحمود لمنهجه،
ومحمود لقضائه، الله محمود قبل أن يخلق من يحمده. ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه
جعل الشكر له في كلمتين اثنتين هما الحمد لله.

*** يتبع بحول الله
***

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}


انثى
المساهمات : 943
الجنسية: مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة: 3
عدد النقاط: 1912
مزاجي:

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الأحد 05 أبريل 2009, 20:25

والعجيب أنك حين تشكر بشرا على
جميل فعله تظل ساعات وساعات .. تعد كلمات الشكر والثناء، وتحذف وتضيف وتأخذ رأي
الناس. حتى تصل إلي قصيدة أو خطاب ملئ بالثناء والشكر.

ولكن الله سبحانه
وتعالى جلت قدرته وعظمته نعمه لا تعد ولا تحصى، علمنا أن نشكره في كلمتين اثنتين
هما:
الحمد لله ..

ولعلنا نفهم أن المبالغة في الشكر للبشر مكروهة لأنها
تصيب الإنسان بالغرور والنفاق وتزيد العاصي في معاصيه .. فلنقلل من الشكر والثناء
للبشر .. لأننا نشكر الله لعظيم نعمه علينا بكلمتين هما: الحمد لله، ومن رحمة الله
سبحانه وتعالى أنه علمنا صيغة الحمد.
فلو أنه تركها دون أن يحددها بكلمتين ..
لكان من الصعب على البشر أن يجدوا الصيغة المناسبة ليحمدوا الله على هذا الكمال
الإلهي .. فمهما أوتي الناس من بلاغة وقدرة على التعبير. فهم عاجزون على أن يصلوا
إلي صيغة الحمد التي تليق بجلال المنعم ..

فكيف نحمد الله والعقل عاجز أن
يدرك قدرته أو يحصي نعمه أو يحيط برحمته؟
ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعطانا
صورة العجز البشري عن حمد كمال الألوهية لله، فقال:
"لا أحصي ثناء عليك أنت كما
أثنيت على نفسك".

وكلمتا الحمد لله، ساوى الله بهما بين البشر جميعا، فلو
أنه ترك الحمد بلا تحديد، لتفاوتت درجات الحمد بين الناس بتفاوت قدراتهم على
التعبير. فهذا أمي لا يقرأ ولا يكتب لا يستطيع أن يجد الكلمات التي يحمد بها الله.
وهذا عالم له قدرة على التعبير يستطيع أن يأتي بصيغة الحمد بما أوتي من علم وبلاغة.
وهكذا تتفاوت درجات البشر في الحمد .. طبقا لقدرتهم في منازل الدنيا.

ولكن
الحق تبارك وتعالى شاء عدله أن يسوي بين عباده جميعا في صيغة الحمد له .. فيعلمنا
في أول كلماته في القرآن الكريم .. أن نقول "الحمد لله" ليعطي الفرصة المتساوية لكل
عبيده بحيث يستوي المتعلم وغير المتعلم في عطاء الحمد ومن أوتي البلاغة ومن لا يحسن
الكلام.

ولذلك فإننا نحمد الله سبحانه وتعالى على أنه علمنا كيف نحمده
وليظل العبد دائما حامدا. ويظل الله دائما محمودا .. فالله سبحانه وتعالى قبل أن
يخلقنا خلق لنا موجبات الحمد من النعم، فخلق لنا السماوات والأرض وأجد لنا الماء
والهواء. ووضع في الأرض أقواتها إلي يوم القيامة .. وهذه نعمة يستحق الحمد عليها
لأنه جل جلاله جعل النعمة تسبق الوجود الإنساني، فعندما خلق الإنسان كانت النعمة
موجودة تستقبله.
بل أن الله جل جلاله قبل أن يخلق آدم أبا البشر جميعا سبقته
الجنة التي عاش فيها لا يتعب ولا يشقى. فقد خلق فوجد ما يأكله وما يشربه وما يقيم
حياته وما يتمتع به موجودا وجاهزا ومعدا قبل الخلق .. وحينما نزل آدم وحواء إلي
الأرض كانت النعمة قد سبقتهما. فوجدا ما يأكلانه وما يشربانه، وما يقيم حياتهما ..
ولو أن النعمة لم تسبق الوجود الإنساني وخلقت بعده لهلك الإنسان وهو ينتظر مجيء
النعمة.

بل أن العطاء الإلهي للإنسان يعطيه النعمة بمجرد أن يخلق في رحم
أمه فيجد رحما مستعدا لاستقباله وغذاء يكفيه طول مدة الحمل. فإذا خرج إلي الدنيا
يضع الله في صدر أمه لبنا ينزل وقت أن يجوع ويمتنع وقت أن يشبع. وينتهي تماما عندما
تتوقف فترة الرضاعة. ويجد أبا وأما يوفران له مقومات حياته حتى يستطيع أن يعول نفسه
.. وكل هذا يحدث قبل أن يصل الإنسان إلي مرحة التكليف وقبل أن يستطيع أن ينطق:
"الحمد لله".

وهكذا نرى أن النعمة تسبق المنعم عليه دائما .. فالإنسان حيث
يقول "الحمد لله" فلأن موجبات الحمد ـ وهي النعمة ـ موجودة في الكون قبل الوجود
الإنساني.

والله سبحانه وتعالى خلق لنا في هذا الكون أشياء تعطي الإنسان
بغير قدرة منه ودون خضوع له، والإنسان عاجز عن أن يقدم لنفسه هذه النعم التي يقدمها
الحق تبارك وتعالى له بلا جهد. فالشمس تعطي الدفء والحياة للأرض بلا مقابل وبلا فعل
من البشر، والمطر ينزل من السماء دون أن يكون لك جهد فيه أو قدرة على إنزاله.
والهواء موجود حولك في كل مكان تتنفس منه دون جهد منك ولا قدرة. والأرض تعطيك الثمر
بمجرد أن تبذر فيها الحب وتسقيه .. فالزرع ينبت بقدرة الله.
والليل والنهار
يتعاقبان حتى تستطيع أن تنام لترتاح، وأن تسعى لحياتك .. لا أنت أتيت بضوء النهار،
ولا أنت الذي صنعت ظلمة الليل، ولكنك تأخذ الراحة في الليل والعمل في النهار بقدرة
الله دون أن تفعل شيئاً.
كل هذه الأشياء لم يخلقها الإنسان، ولكنه وجدها في
الكون تعطيه بلا مقابل ولا جهد منه!
ألا تستحق هذه النعم أن نقول: الحمد لله
على نعمة تسخير الكون لخدمة الإنسان؟

وآيات الله سبحانه وتعالى في كونه
تستوجب الحمد .. فالحياة التي وهبها الله لنا، والآيات التي أودعها في كونه تدلنا
على أن لهذا الكون خالقاً عظيماً .. فالكون بشمسه وقمره ونجومه وأرضه وكل ما فيه
مما يفوق قدرة الإنسان، ولا يستطيع أحد أن يدعيه لنفسه، فلا أحد مهما بلغ علمه
يستطيع أن يدعي أنه خلق الشمس، أو أوجد النجوم، أو وضع الأرض، أو وضع قوانين الكون،
أو أعطى غلافها الجوي، أو خلق نفسه، أو خلق غيره.

هذه الآيات كلها أعطتنا
الدليل على وجود قوة عظمى، وهي التي أوجدت وهي التي خلقت .. وهذه الآيات ليست
ساكنة، لتجعلنا في سكونها ننساها،
بل هي متحركة لتلفتنا إلي خالق هذا الكون
العظيم.

فالشمس تشرق في الصباح فتذكرنا بإعجاز الخالق، وتغيب في المساء
لتذكرنا بعظمة الخالق .. وتعاقب الليل والنهار يحدث أمامنا كل يوم علمنا نلتفت
ونفيق .. والمطر ينزل من السماء ليذكرنا بألوهية من أنزله .. والزرع يخرج من الأرض
يسقي بماء واحد، ومع ذلك فإن كل نوع له لون وله شكل وله مذاق وله رائحة، وله تكوين
يختلف عن الآخر، ويأتي الحصاد فيختفي الثمر والزرع .. ويأتي موسم الزراعة فيعود من
جديد.

كل شيء في هذا الكون متحرك ليذكرنا إذا نسينا، ويعلمنا أن هناك
خالقاً عظيماً.

ونستطيع أن نمضي في ذلك بلا نهاية، فنعم الله لا تعد ولا
تحصى .. وكل واحدة منها تدلنا على وجود الحق سبحانه وتعالى، وتعطينا الدليل
الإيماني على أن لهذا الكون خالقاً مبدعاً .. وأنه لا أحد يستطيع أن يدعي أنه خلق
الكون أو خلق شيئاً مما فيه .. فالقضية محسومة لله.

(والحمد لله) لأنه وضع
في نفوسنا الإيمان الفطري، ثم أيده بإيمان عقلي بآياته في كونه.

كل شيء في
هذا الكون يقتضي الحمد، ومع ذلك فإن الإنسان يمتدح الموجود وينسى الموجد .. فأنت
حين ترى زهرة جميلة مثلاً، أو زهرة غاية في الإبداع .. أو أي خلق من خلق الله، يشيع
في نفسك الجمال تمتدح هذا الخلق .. فتقول: ما أجمل هذه الزهرة، أو هذه الجوهرة، أو
هذا المخلوق!!
ولكن المخلوق الذي امتدحته، لم يعط صفة الجمال لنفسه .. فالزهرة
لا دخل لها أن تكون جميلة أو غير جميلة، والجوهرة لا دخل لها في عظمة خلقها .. وكل
شيء في هذا الكون لم يضع الجمال لنفسه، وإنما الذي وضع الجمال فيه هو الله سبحانه
وتعالى، فلا نخلط ونمدح المخلوق وننسى الخالق ..

بل قل:

الحمد لله
الذي أوجد في الكوم ما يذكرنا بعظمة الخالق ودقة الخلق.

ومنهج الله سبحانه
وتعالى يقتضي منا الحمد، فهو تبارك وتعالى أنزل منهجه ليرينا طريق الخير، ويبعدنا
عن طريق الشر.
فمنهج الله عز وجل الذي أنزله على رسله قد عرفنا أن الله تبارك
وتعالى هو الذي خلق لنا هذا الكون وخلقنا .. فدقة الخلق وعظمته تدلنا على عظمة
خالقه، ولكنها لا تستطيع أن تقول لنا من هو، ولا ماذا يريد منا، ولذلك أرسل الله
رسله، ليقول لنا:
إن الذي خلق هذا الكون وخلقنا هو الله تبارك وتعالى، وهذا
يستوجب الحمد

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}


انثى
المساهمات : 943
الجنسية: مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة: 3
عدد النقاط: 1912
مزاجي:

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الأحد 05 أبريل 2009, 20:25

مازلنا مع خواطر الشيخ
الشعرواي فى تفسيرة :

(الحمد لله رب العالمين "2" الرحمن الرحيم
"3")

ومنهج الله يبين لنا ماذا يريد الحق منا، وكيف نعبده .. وهذا يستوجب
الحمد، ومنهج الله جل جلاله أعطانا الطريق وشرع لنا أسلوب حياتنا تشريعاً حقاً ..
فالله تبارك وتعالى لا يفرق بين أحد منا ..
ولا يفضل أحداً على أحد إلا
بالتقوى، فكلنا خلق متساوون أمام الله جل جلاله.

إذن: فشريعة الحق، وقول
الحق، وقضاء الحق هو من الله، أما تشريعات الناس فلها هوى، تميز بعضاً عن بعض ..
وتأخذ حقوق بعض لتعطيها للآخرين، ولذلك نجد في كل منهج بشرى ظلماً بشرياً.


فالدول الشيوعية أعضاء اللجنة المركزية فيها هم أصحاب النعمة والترف بينما
الشعب كله في شقاء .. لأن هؤلاء الذي شرعوا اتبعوا هواهم. ووضعوا مصالحهم فوق كل
مصلحة..

وكذلك الدول الرأسمالية. أصحاب رأس المال يأخذون كل الخير،


ولكن الله سبحانه وتعالى حين نزل لنا المنهج قضى بالعدل بين الناس .. وأعطى
كل ذي حق حقه. وعلمنا كيف تستقيم الحياة على الأرض عندما تكون بعيدة عن الهوى
البشري خاضعة لعدل الله، وهذا يوجب الحمد.

والحق سبحانه وتعالى، يستحق منا
الحمد؛ لأنه لا يأخذ منا ولكنه يعطينا، فالبشر في كل عصر يحاولون استغلال البشر ..
لأنهم يطمعون فيما بين أيديهم من ثروات وأموال، ولكن الله سبحانه وتعالى يعطينا ولا
يأخذ منا، عنده خزائن كل شيء مصداقا لقوله جل جلاله:

{وإن من شيء إلا عندنا
خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم "21" }
(سورة الحجر)

فالله سبحانه
وتعالى دائم العطاء لخلقه، والخلق يأخذون دائماً من نعم الله،

فالعبودية لله
تعطيك ولا تأخذ منك شيئاً، وهذا يستوجب الحمد..

والله سبحانه وتعالى في
عطائه يجب أن يطلب منه الإنسان، وأن يدعوه، وأن يستعين به، وهذا يستوجب الحمد؛ لأنه
يقينا الذل في الدنيا. فأنت إن طلبت شيئاً من صاحب نفوذ، فلابد أن يحدد لك موعداً
أو وقت الحديث ومدة المقابلة، وقد يضيق بك فيقف لينهي اللقاء .. ولكن الله سبحانه
وتعالى بابه مفتوح دائماً .. فأنت بين يديه عندما تريد، وترفع يديك إلي السماء
وتدعو وقتما تحب، وتسأل الله ما تشاء، فيعطيك ما تريده إن كان خيراً لك .. ويمنع
عنك ما تريده إن كان شراً لك.
والله سبحانه وتعالى يستوجب الحمد حينما يطلب منك
أن تدعوه، وأن تسأله فيقول:

{وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون
عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين "60" }
(سورة غافر)

ويقول سبحانه
وتعالى:

{وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني
فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون "186"}
(سورة البقرة)

والله
سبحانه وتعالى يعف ما في نفسك، ولذلك فإنه يعطيك دون تسأل، واقرأ الحديث القدسي:

يقول رب العزة:
"من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين".


والله سبحانه وتعالى عطاؤه لا ينفذ، وخزائنه لا تفرغ، فكلما سألته جل جلاله
كان لديه المزيد، ومهما سألته فإنه لا شيء عزيز على الله سبحانه وتعالى، إذا أراد
أن يحققه لك ..

واقرأ قول الشاعر:
حسب نفسي عزا بأني عبد هو في قدسه
الأعز ولكن يحتفي بي بلا مـواعيد رب أنا ألقي متى وأين أحب

إذن: عطاء الله
سبحانه وتعالى يستوجب الحمد .. ومنعه العطاء يستوجب الحمد.

ووجود الله
سبحانه وتعالى الواجب الوجود يستوجب الحمد .. فالله سبحانه يستحق الحمد لذاته،
ولولا عدل الله لبغى الناس في الأرض وظلموا، ولكن يد الله تبارك وتعالى حين تبطش
بالظالم تجعله عبرة .. فيخاف الناس الظلم .. وكل من أفلت من عقاب الدنيا على معاصيه
وظلمه واستبداده سيلقى الله في الآخرة ليوفيه حسابه .. وهذا يوجب الحمد .. أن يعرف
المظلوم أنه سينال جزاءه فتهدأ نفسه ويطمئن قلبه أن هناك يوما سيرى فيه ظالمه وهو
يعذب في النار .. فلا تصيبه الحسرة، ويخف إحساسه بمرارة الظلم حين يعرف أن الله
قائم على كونه لن يفلت من عدله أحد.

وعندما نقول: (الحمد لله) فنحن نعبر عن
انفعالات متعددة .. وهي في مجموعها تحمل العبودية والثناء والشكر والعرفان .. وكثير
من الانفعالات التي تملأ النفس عندما تقول: (الحمد لله) كلها تحمل الثناء العاجز عن
الشكر لكمال الله وعطائه .. هذه الانفعالات تأتي وتستقر في القلب .. ثم تفيض من
الجوارح على الكون كله.

فالحمد ليس ألفاظاً تردد باللسان، ولكنها تمر أولاً
على العقل الذي يعي معنى النعم .. ثم بعد ذلك تستقر في القلب فينفعل بها .. وتنتقل
إلي الجوارح فأقوم وأصلي لله شاكراً ويهتز جسدي كله، وتفيض الدمعة من عيني، وينتقل
هذا الانفعال كله إلي من حولي.

ونفسر ذلك قليلا .. هب أنني في أزمة أو كرب
أو موقف سيؤدي إلي فضيحة .. وجاءني من يفرج كربي فيعطيني مالاً أو يفتح لي طريقاً
.. أول شيء أنني سأعقل هذا الجميل، فأقول: إنه يستحق الشكر .. ثم ينزل هذا المعنى
إلي قلبي فيهتز القلب إلي صانع هذا الجميل .. ثم تنفعل جوارحي لأترجم هذه العاطفة
إلي عمل جميل يرضيه، ثم أحدث الناس عن جميله وكرمه فيسارعون إلي الالتجاء إليه،
فتتسع دائرة الحمد وتنزل النعم على الناس .. فيمرون بنفس ما حدث لي فتتسع دائرة
الشكر والحمد..

والحمد لله تعطينا المزيد من النعم مصداقاً لقوله تبارك
وتعالى:

{وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد "7"
}
(سورة إبراهيم)

وهكذا نعرف أن الشكر على النعمة يعطينا مزيداً من
النعمة .. فنشكر عليها فتعطينا المزيد، وهكذا يظل الحمد دائماً والنعمة دائمة.


إننا لو استعرضنا حياتنا كلها .. نجد أن كل حركة فيها تقتضي الحمد، عندما
ننام ويأخذ الله سبحانه وتعالى أرواحنا، ثم يردها إلينا عندما نستيقظ، فإن هذا يوجب
الحمد، فالله سبحانه وتعالى يقول:
{الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت
في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلي أجل مسمى إن في ذلك لآيات
لقوم يتفكرون "42"}
(سورة الزمر)

وهكذا فإن مجرد أن نستيقظ من النوم،
ليرد الله علينا أرواحنا يستوجب الحمد، فإذا قمنا من الفراش فالله سبحانه وتعالى هو
الذي أعطانا القدرة على الحركة والنهوض، ولولا عطاؤه ما استطعنا أن نقوم .. وهذا
يستوجب الحمد..

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}


انثى
المساهمات : 943
الجنسية: مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة: 3
عدد النقاط: 1912
مزاجي:

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الأحد 05 أبريل 2009, 20:25

(الحمد لله رب العالمين "2" الرحمن الرحيم "3")

فإذا تناولنا إفطارنا، فالله
هو الذي هيأ لنا من فضله هذا الطعام، فإذا نزلنا إلي الطريق يسر الله لنا ما ينقلنا
إلي مقر أعمالنا، وإذا تحدثنا مع الناس فالله سبحانه وتعالى هو الذي أعطى ألسنتنا
القدرة على النطق بما وهبه الله لنا من قدرة على التعبير والبيان، وهذا يستوجب
الحمد.
وإذا عدنا إلي بيوتنا، فالله سخر لنا زوجاتنا ورزقنا بأولادنا، وهذا
يستوجب الحمد.

إذن: فكل حركة في حياة في الدنيا من الإنسان تستوجب الحمد،
ولهذا لابد أن يكون الإنسان حامداً دائماً، بل إن الإنسان يجب أن يحمد الله على أي
مكروه أصابه؛ لأن الشيء الذي يعتبره شراً يكون عين الخير، فالله تعالى يقول:


{يا أيها الذين أمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن
لتذهبوا ببعض ماء أتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينةٍ وعاشروهن بالمعروف فإن
كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً "19"}
(سورة
النساء)

إذن فأنت تحمد الله لأن قضاءه خير .. سواء أحببت القضاء أو كرهته
فإنه خير لك .. لأنك لا تعلم والله سبحانه وتعالى يعلم.

وهكذا من موجبات
الحمد أن تقول الحمد لله على كل ما يحدث لك في دنياك.
فأنت بذلك ترد الأمر إلي
الله الذي خلقك .. فهو أعلم بما هو خير لك.

فاتحة الكتاب تبدأ بالحمد لله
رب العالمين .. لماذا قال الله سبحانه وتعالى رب العالمين؟ نقول إن "الحمد لله"
تعني حمد الألوهية. فكلمة الله تعني المعبود بحق .. فالعبادة تكليف والتكليف يأتي
من الله لعبيده .. فكأن الحمد أولا لله .. ثم يقتضي بعد ذلك أن يكون الحمد لربوبية
الله على إيجادنا من عدم وإمدادنا من عدم .. لأن المتفضل بالنعم قد يكون محمودا عند
كل الناس .. لكن التكليف يكون شاقا على بعض الناس .. ولو علم الناس قيمة التكليف في
الحياة .. لحمدوا الله أن كلفهم بافعل ولا تفعل .. لأنه ضمن عدم تصادم حركة حياتهم
.. فتمضي حركة الحياة متساندة منسجمة. إذن فالنعمة الأولى هي أن المعبود أبلغنا
منهج عبادته، والنعمة الثانية أنه رب العالمين.

في الحياة الدنيا هناك
المطيع والعاصي، والمؤمن وغير المؤمن .. والذين يدخلون في عطاء الألوهية هم
المؤمنون .. أما عطاء الربوبية فيشمل الجميع .. ونحن نحمد الله على عطاء ألوهيته،
ونحمد الله على عطاء ربوبيته، لأنه الذي خلق، ولأنه رب العالمين .. الكون كله لا
يخرج عن حكمه ..

فليطمئن الناس في الدنيا أن النعم مستمرة لهم بعطاء ربوبيه
.. فلا الشمس تستطيع أن تغيب وتقول لن أشرق ولا النجوم تستطيع أن تصطدم ببعضها
البعض في الكون، ولا الأرض تستطيع أن تمنع إنبات الزرع .. ولا الغلاف الجوي يستطيع
أن يبتعد عن الأرض فيختنق الناس جميعا..

إذن فالله سبحانه وتعالى يريد أن
يطمئن عباده أنه رب لكل ما في الكون فلا مسيطر على كونه وعلى كل ما خلق .. أنه رب
العالمين وهذه توجب الحمد .. أن يهيئ الله سبحانه وتعالى للإنسان ما يخدمه، بل جعله
سيدا في كونه .. ولذلك فإن الإنسان المؤمن لا يخاف الغد .. وكيف يخافه والله رب
العالمين. إذا لم يكن عنده طعام فهو واثق أن الله سيرزقه لأنه رب العالمين .. وإذا
صادفته أزمة فقلبه مطمئن إلي أن الله سيفرج الأزمة ويزيل الكرب لأنه رب العالمين ..
وإذا أصابته نعمة ذكر الله فشكر عليها لأنه رب العالمين الذي أنعم عليه.


فالحق سبحانه وتعالى يحمد على أنه رب العالمين .. لا شيء في كونه يخرج عن
مراده الفعلي .. أما عطاء الألوهية فجزاؤه في الآخرة .. فالدنيا دار اختيار
للإيمان، والآخرة دار الجزاء .. ومن الناس من لا يعبد الله .. هؤلاء متساوون في
عطاء الربوبية مع المؤمنين في الدنيا .. ولكن في الآخرة يكون عطاء الألوهية
للمؤمنين وحدهم .. فنعم الله لأصحاب الجنة، وعطاءات الله لمن آمن .. واقرأ قوله
تبارك وتعالى:

{قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل
هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون
"32" }
(سورة الأعراف)

على أن الحمد لله ليس في الدنيا فقط .. بل هو في
الدنيا والآخرة .. الله محمود دائماً .. في الدنيا بعطاء ربوبيته لكل خلقه .. وعطاء
ألوهيته لمن آمن به وفي الآخرة بعطائه للمؤمنين من عباده .. واقرأ قوله جل جلاله:


{وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث تشاء
فنعم أجر العاملين "47"}
(سورة الزمر)

وقوله تعالى:

{دعواهم
فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين"10" }

(سورة يونس)

فإذا انتقلنا إلي قوله تعالى: "الرحمن الرحيم" فمن موجبات
الحمد أن الله سبحانه وتعالى رحمن رحيم .. يعطي نعمة في الدنيا لكل عباده عطاء
ربوبيه، وعطاء الربوبيه للمؤمن والكافر .. وعطاء الربوبية لا ينقطع إلا عندما يموت
الإنسان..

والله لا يحجب نعمه عن عبيده في الدنيا .. ونعم الله لا تعد ولا
تحصى ومع كل التقدم في الآلات الحاسبة والعقول الإلكترونية وغير ذلك فإننا لم نجد
أحدا يتقدم ويقول أنا سأحصي نعم الله .. لأن موجبات الإحصاء أن تكون قادرا عليه ..
فأنت لا تقبل على عد شيء إلا إذا كان في قدرتك أن تحصيه .. ولكن مادام ذلك خارج
قدرتك وطاقاتك فأنك لا تقبل عليه .. ولذلك لن يقبل أحد حتى يوم القيامة على إحصاء
نعم الله تبارك وتعالى لأن أحدا لا يمكن أن يحصيها.

ولابد أن نلتفت إلي أن
الكون كله يضيق بالإنسان، وأن العالم المقهور الذي يخدمنا بحكم القهر والتسخير يضيق
حين يرى العاصين .. لأن المقهور مستقيم على منهج الله قهرا .. فحين يرى كل مقهور
الإنسان الذي هو خدمته عاصيا يضيق.

وأقر الحديث القدسي لتعرف شيئا عن رحمة
الله بعباده .. يقول الله عز وجل:
ما من يوم تطلع شمسه إلا وتنادي السماء تقول
يا رب إ إذن لي أن اسقط كسفا على ابن آدم، فقد طعم خيرك ومنع شكرك. وتقول البحار يا
رب إ إذن لي أن اغرق ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك. فيقول الله تعالى دعوهم دعوهم
لو خلقتموهم لرحمتوهم أنهم عبادي فإن تابوا إلي فأنا حبيبهم، وأن لم يتوبوا فأنا
طبيبهم" رواه الإمام احمد بن حنبل في مسنده"تلك تجليات صفة الرحمن وصفة الرحيم
..

وكيف ضمنت لنا بقاء كل ما يخدمنا في هذا الكون مع معصية الإنسان .. أنها
كلها تخدمنا بعطاء الربوبية وتبقى في خدمتنا بتسخير الله لها لأنه رحمن رحيم..


بعض الناس قد يتساءل هل تتكلم الأرض والسماء وغيرها من المخلوقات في عالم
الجماد والنبات والحيوان؟ نقول نعم أن لها لغة لا نعرفها نحن وإنما يعرفها خالقها
.. بدليل أنه منذ الخلق الأول أبلغنا الحق تبارك وتعالى أن هناك لغة لكل هذه
المخلوقات .. واقرأ قوله جل جلاله:

{ثم استوى إلي السماء وهي دخان فقال لها
وللأرض آتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين"11" }
(سورة فصلت)

إذن
فالأرض والسماء فهمت عن الله .. وقالت له سبحانه وتعالى "أتينا طائعين" ألم يعلم
الله سليمان منطق الطير ولغة النملة؟ ألم تسبح الجبال مع داود؟ إذن كل خلق الله له
ادراكات مناسبة له .. بل له عواطف .. فعندما تكلم الله سبحانه وتعالى عن قوم فرعون
.. قال:

{كم تركوا من جنات وعيون "25" وزروع ومقامٍ كريمٍ "26" ونعمة كانوا
فيها فاكهين "27" كذلك وأورثناها قوماً آخرين "28" فما بكت عليهم السماء والأرض وما
كانوا منظرين"29" }
(سورة إبراهيم)

إذن فالسماوات والأرض لهما انفعال
.. انفعال يصل إلي مرحلة البكاء .. فهما لم تبكيا على فرعون وقومه .. ولكنهما
تبكيان حزنا عندما يفارقهما الإنسان المؤمن المصلي المطبق لمنهج الله
..

ولقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان
.. موضع في الأرض وموضع في السماء .. أما الموضع في الأرض هو مكان مصلاه الذي أسعده
وهو يصلي فيه. وأما الموضع في السماء فهو مصعد عمله الطيب)

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}


انثى
المساهمات : 943
الجنسية: مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة: 3
عدد النقاط: 1912
مزاجي:

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الأحد 05 أبريل 2009, 20:26

(مالك يوم الدين "4" إياك نعبد
وإياك نستعين"5")

إذا كانت كل نعم الله تستحق الحمد .. فإن "مالك يوم الدين"
تستحق الحمد الكبير .. لأنه لو لم يوجد يوم للحساب، لنجا الذي ملأ الدنيا شروراً.
دون أن يجازى على ما فعل .. ولكان الذي التزم بالتكليف والعبادة وحرم نفسه من متع
دنيوية كثيرة إرضاء لله قد شقي في الحياة الدنيا .. ولكن لأن الله تبارك وتعالى هو
"مالك يوم الدين" .. فقد أعطى الاتزان للوجود كله .. هذه الملكية ليوم الدين هي
التي حمت الضعيف والمظلوم وأبقت الحق في كون الله ..

أن الذي منع الدنيا أن
تتحول إلي غابة .. يفتك فيها القوي بالضعيف والظالم بالمظلوم .. أن هناك آخرة
وحساباً، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي سيحاسب خلقه..

والإنسان المستقيم
استقامته تنفع غيره .. لأنه يخشى الله ويعطي كل ذي حقه ويعفو ويسامح .. إذن كل من
حوله قد استفاد من خلقه الكريم ومن وقوفه مع الحق والعدل..

أما الإنسان
العاصي فيشقى به المجتمع لأنه لا أحد يسلم من شره ولا أحد إلا يصيبه ظلمه .. ولذلك
فإن "مالك يوم الدين " هي الميزان .. تعرف أنت أن الذي يفسد في الأرض تنتظره الآخرة
.. لن يفلت مهما كانت قوته ونفوذه، فتطمئن اطمئنانا كاملاً إلي أن عدل الله سينال
كل ظالم.

على أن "مالك يوم الدين" لها قراءتان .. "مالك يوم الدين" .. وملك
يوم الدين. والقراءتان صحيحتان .. والله تبارك وتعالى وصف نفسه في القرآن الكريم
بأنه: "مالك يوم الدين" ..

ومالك الشيء هو المتصرف فيه وحده .. ليس هناك دخل
لأي فرد آخر .. أنا أملك عباءتي .. وأملك متاعي، وأملك منزلي، وأنا المتصرف في هذا
كله أحكم فيه بما أراه..

فمالك يوم الدين .. معناها أن الله سبحانه وتعالى
سيصرف أمور العباد في ذلك اليوم بدون أسباب .. وأن كل شيء سيأتي من الله مباشرة ..
دون أن يستطيع أحد أن يتدخل ولو ظاهراً..
ففي الدنيا يعطى الله الملك ظاهرا
لبعض الناس .. ولكن في يوم القيامة ليس هناك ظاهر .. فالأمر مباشر من الله سبحانه
وتعالى .. ولذلك يقول الله في وصف يوم الدين:

{كلا بل تكذبون بالدين "9" }

(سورة الانفطار)

فكأن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في الدنيا لتمضي
بها الحياة .. ولكن في الآخرة لا توجد أسباب. الملك في ظاهر الدنيا من الله يهبه
لمن يشاء .. واقرأ قوله تعالى:

{قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء
وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير
"26" }
(سورة آل عمران)

ولعل قوله تعالى: "تنزع" تلفتنا إلي أن أحدا في
الدنيا لا يريد أن يترك الملك .. ولكن الملك يجب أن ينتزع منه انتزاعا رغما عن
إرادته .. والله هو الذي ينزع الملك ممن يشاء..

وهنا نتساءل هل الملك في
الدنيا والآخرة ليس لله؟ .. نقول الأمر في كل وقت لله .. ولكن الله تبارك وتعالى
استخلف بعض خلقه أو مكنهم من الملك في الأرض .. ولذلك نجد في القرآن الكريم قوله
تعالى:

{ألم تر إلي الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال
إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس
من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين "258" }

(سورة البقرة)

والذي حاج إبراهيم في ربه كافر منكر للألوهية .. ومع ذلك
فإنه لم يأخذ الملك بذاته .. بل الله جل جلاله هو الذي أتاه الملك .. إذن الله
تبارك وتعالى هو الذي استخلف بعض خلقه ومكنهم من ملك الأرض ظاهريا .. ومعنى ذلك أنه
ملك ظاهر للناس فقط .. أن بشرا أصبح ملكا .. ولكن الملك ليس نابعا من ذات من يملك
.. ولكنه نابع من أمر الله .. ولو كان نابعا من ذاتية من يملك لبقى له ولم ينزع منه
.. والملك الظاهر يمتحن فيه العباد، فيحاسبهم الله يوم القيامة .. كيف تصرفوا؟
وماذا فعلوا؟ .. ويمتحن فيه الناس هل سكتوا على الحاكم الظالم؟ .. وهل استحبوا

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}


انثى
المساهمات : 943
الجنسية: مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة: 3
عدد النقاط: 1912
مزاجي:

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الأحد 05 أبريل 2009, 20:26

مالك يوم الدين "4" إياك نعبد وإياك نستعين"5")


أم أنهم وقفوا مع الحق
ضد الظلم؟ .. والله سبحانه وتعالى لا يمتحن الناس ليعلم المصلح من المفسد .. ولكنه
يمتحنهم ليكونوا شهداء على أنفسهم .. حتى لا يأتي واحد منهم يوم القيامة ويقول: يا
رب لو أنك أعطيتني الملك لا تبعت طريق الحق وطبقت منهجك.

وهنا يأتي سؤال ..
إذا كان الله سبحانه وتعالى يعلم كل شيء فلماذا الامتحان؟ .. نقول أننا إذا أردنا
أن نضرب مثلا يقرب ذلك إلي الأذهان .. ولله المثل الأعلى .. نجد أن الجامعات في كل
أنحاء الدنيا تقيم الامتحانات لطلابها .. فهل أساتذة الجامعة الذي علموا هؤلاء
الطلاب يجهلون ما يعرفه الطالب ويريدون أن يحصلوا منه على العلم؟ .. طبعا لا ..
ولكن ذلك يحدث حتى إذا رسب الطالب في الامتحان .. وجاء يجادل واجهوه بإجابته فيسكت
.. ولو لم يعقد الامتحان لادعي كل طالب أنه يستحق مرتبة الشرف.

إذا قال الحق
تبارك وتعالى: "مالك يوم الدين" .. أي الذي يملك هذا اليوم وحده يتصرف فيه كما يشاء
.. وإذا قيل: "مالك يوم الدين" فتصرفه أعلى على المالكين لأن المالك لا يتصرف إلا
في ملكه .. ولكن الملك يتصرف في ملكه وملك غيره .. فيستطيع أن يصدر قوانين بمصادرة
أو تأميم ما يملكه غيره.

الذين قالوا: "مالك يوم الدين" اثبتوا لله سبحانه
وتعالى أنه مالك هذا اليوم يتصرف فيه كما يشاء دون تدخل من أحد ولو ظاهرا: والذين
يقرأون ملك .. يقولون أن الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم يقضي في أمر خلقه حتى
الذين ملكهم في الدنيا ظاهرا .. ونحن نقول عندما يأتي يوم القيامة لا مالك ولا ملك
إلا الله.

الله تبارك وتعالى يريد أن يطمئن عباده .. أنهم إذا كانوا قد
ابتلوا بمالك أو ملك يطغى عليهم فيوم القيامة لا مالك ولا ملك إلا الله جل جلاله ..
عندما تقول مالك أو ملك يوم الدين .. هناك يوم وهناك الدين .. اليوم عندنا من شروق
الشمس إلي شروق الشمس .. هذا ما نسيمه فكليا يوما .. واليوم في معناه ظرف زمان تقع
فيه الأحداث ..

والمفسرون يقولون: "مالك يوم الدين" أي مالك أمور الدين لأن
ظرف الزمان لا يملك .. نقول أن هذا بمقاييس ملكية البشر، فنحن لا نملك الزمن ..
الماضي لا نستطيع أن نعيده، والمستقبل لا نستطيع أن نأتي به .. ولكن الله تبارك
وتعالى هو خالق الزمان .. والله جل جلاله لا يحده زمان ولا مكان .. كذلك قوله
تعالى: "مالك يوم الدين" لا يحده زمان ولا مكان .. واقرأ قوله سبحانه:


{ويستعجلوك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما
تعدون "47"}
(سورة الحج)

وقوله تعالى:

{تعرج الملائكة والروح
إليه في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنةٍ "4" }
(سورة المعارج)

وإذا
تأملنا هاتين الآيتين نعرف معنى اليوم عند الله تبارك وتعالى .. ذلك أن الله جل
جلاله هو خالق الزمن .. ولذلك فإنه يستطيع أن يخلق يوما مقداره ساعة .. ويوما كأيام
الدنيا مقداره أربع وعشرون ساعة .. ويوم مقداره ألف سنة .. ويوما مقداره خمسون ألف
سنة ويوما مقداره مليون سنة .. فذلك خاضع لمشيئة الله.

ويوم الدين موجود في
علم الله سبحانه وتعالى. بأحداثه كلها بجنته وناره .. وكل الخلق الذين سيحاسبون فيه
.. وعندما يريد أن يكون ذلك اليوم ويخرج من علمه جل جلاله إلي علم خلقه .. سواء
كانوا من الملائكة أو من البشر أو الجان يقول: كن .. فالله وحده هو خالق هذا اليوم
.. وهو وحده الذي يحدد كل أبعاده ..

واليوم نحن نحدده ظاهرا بأنه أربع
وعشرون ساعة .. ونحدده بأنه الليل والنهار .. ولكن الحقيقة أن الليل والنهار
موجودان دائما على الأرض .. فعندما تتحرك الأرض، كل حركة هي نهاية نهار في منطقة
وبداية نهار في منطقة أخرى .. وبداية ليل في منطقة ونهاية ليل في منطقة أخرى ..
ولذلك في كل لحظة ينتهي يوم ويبدأ يوم .. وهكذا فإن الكرة الأرضية لو أخذتها بنظرة
شاملة لا ينتهي عليها نهار أبدا .. ولا ينتهي عنها ليل أبدا .. إذن فاليوم نسبي
بالنسبة لكل بقعة في الأرض .. ولكنه في الحقيقة دائم الوجود على كل الكرة الأرضية.


والله سبحانه وتعالى يريد أن يطمئن عباده .. أنهم إذا أصابهم ظلم في الدنيا
.. فإن هناك يوم لا ظلم فيه .. وهذا اليوم الأمر فيه لله وحده بدون أسباب .. فكل
إنسان لو لم يدركه العدل والقصاص في الدنيا فإن الآخرة تنتظره .. والذي أتبع منهج
الله وقيد حركته في الحياة يخبره الله سبحانه وتعالى أن هناك يوم سيأخذ فيه أجره
وعظمة الآخرة أنها تعطيك الجنة .. نعيم لا يفوتك ولا تفوته.

ولقد دخل أحد
الأشخاص على رجل من الصالحين .. وقال له: أريد أن أعرف .. أأنا من أهل الدنيا أم من
الآخرة؟ .. فقال له الرجل الصالح .. أن الله أرحم بعباده، فلم يجعل موازينهم في
أيدي أمثالهم .. فميزان كل إنسان في يد نفسه .. لماذا؟ .. لأنك تستطيع أن تعرف أأنت
من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة.
قال الرجل كيف ذلك؟ فرد العبد الصالح: إذا دخل
عليك من يعطيك مالا .. ودخل عليك من يأخذ منك صدقة .. فبأيهما تفرح؟ .. فسكت الرجل
.. فقال العبد الصالح: إذا كنت تفرح بمن يعطيك مالا فأنت من أهل الدنيا .. وإذا كنت
تفرح بمن يأخذ منك صدقة فأنت من أهل الآخرة .. فإن الإنسان يفرح بمن يقدم له ما
يحبه .. فالذي يعطيني مالا يعطيني الدنيا .. والذي يأخذ مني صدقة يعطيني الآخرة ..
فإن كنت من أهل الآخرة .. فأفرح بمن يأخذ منك صدقة .. أكثر من فرحك بمن يعطيك مالا.

ولذلك كان بعض الصالحين إذا دخل عليه من يريد صدقة يقول مرحبا بمن جاء يحمل
حسناتي إلي الآخرة بغير أجر .. ويستقبله بالفرحة والترحاب.

قول الحق سبحانه
وتعالى: "مالك يوم الدين" .. هي قضية ضخمة من قضايا العقائد .. لأنها تعطينا أن
البداية من الله، والنهاية إلي الله جل جلاله .. وبما أننا جميعا سنلقى الله، فلابد
أن نعمل لهذا اليوم .. ولذلك فإن المؤمن لا يفعل شيئا في حياته إلا وفي باله الله
.. وأنه سيحاسبه يوم القيامة .. ولكن غير المؤمن يفعل ما يفعل وليس في باله الله ..
وعن هؤلاء يقول الحق سبحانه:

{والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعةْ يحسبه
الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجده الله عنده فوفاه حسابه والله سريع
الحساب "39"}
(سورة النور)

وهكذا من يفعل شيئا وليس في باله الله ..
سيفاجأ يوم القيامة بأن الله تبارك وتعالى الذي لم يكن في باله موجود وأنه جل جلاله
هو الذي سيحاسبه.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}


انثى
المساهمات : 943
الجنسية: مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة: 3
عدد النقاط: 1912
مزاجي:

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الأحد 05 أبريل 2009, 20:26

مالك يوم الدين "4" إياك نعبد وإياك نستعين"5")


وقوله تعالى: "مالك يوم
الدين" هي أساس الدين .. لأن الذي لا يؤمن بالآخرة يفعل ما يشاء .. فمادام يعتقد
أنه ليس هناك آخره وليس هناك حساب .. فمم يخاف؟ .. ومن أجل من يقيد حركته في
الحياة..

أن الدين كله بكل طاعاته ولك منهجه قائم على أن هناك حسابا في
الآخرة .. وأن هناك يوما نقف فيه جميعا أمام الله سبحانه وتعالى .. ليحاسب المخطئ
ويثيب الطائع .. هذا هو الحكم في كل تصرفاتنا الإيمانية .. فلو لم يكن هناك يوم
نحاسب فيه .. فلماذا نصلي؟ .. ولماذا نصوم؟ .. ولماذا نتصدق؟..

أن كل حركات
منهج السماء قائمة على أساس ذلك اليوم الذي لن يفلت منه أحد .. والذي يجب علينا
جميعا أن نستعد له .. أن الله سبحانه وتعالى سمى هذا اليوم بالنسبة للمؤمنين يوم
الفوز العظيم .. والذي يجعلنا نتحمل كل ما نكره ونجاهد في سبيل الله لنستشهد ..
وننفق أموالنا لنعين الفقراء والمساكين .. كل هذا أساسه أن هناك يوما سنقف فيه بين
يدي الله .. والله تبارك وتعالى سماه يوم الدين .. لأنه اليوم الذي سيحاسب فيه كل
إنسان على دينه عمل به أم ضيعه .. فمن آمن واتبع الدين سيكافأ بالخلود في الجنة ..
ومن أنكر الدين وأنكر منهج الله سيجازى بالخلود في النار..

ومن عدل الله
سبحانه وتعالى أن هناك يوما للحساب .. لأن بعض الناس الذين ظلموا وبغوا في الأرض
ربما يفلتون من عقاب الدنيا .. هل هؤلاء الذين افلتوا في الدنيا من العقاب هل
يفلتون من عدل الله؟ .. أبدا لم يفلتوا .. بل أنهم انتقلوا من عقاب محدود إلي عقاب
خالد .. وافلتوا من العقاب بقدرة البشر في الدنيا .. إلي عقاب بقدرة الله تبارك
وتعالى في الآخرة .. ولذلك لابد من وجود يوم يعيد الميزان .. فيعاقب فيه كل من أفسد
في الأرض وأفلت من العقاب .. بل إن الله سبحانه وتعالى يجعل إنسانا يفلت من عقاب
الدنيا .. فلا تعتقد أن هذا خير له بل أنه شر له .. لأنه أفلت من عقاب محدود إلي
عقاب أبدي.

والحمد الكبير لله بأنه "مالك يوم الدين" .. وهو وحده الذي
سيقضي بين خلقه. فالله سبحانه وتعالى يعامل خلقه جميعا معاملة متساوية .. وأساس
التقوى هو يوم الدين.

وقبل أن نتكلم عن قول الحق تبارك وتعالى: "إياك نعبد
وإياك نستعين" .. لابد أن نتحدث عن قضية هامة .. فهناك نوعان من الرؤية ..

الرؤية العينية أي بالعين ..
والرؤية الإيمانية أي بالقلب ..
وكلاهما
مختلف عن الآخر ..
رؤية العين هي أن يكون الشيء أمامك تراه بعينيك، وهذه ليس
فيها قضية إيمان .. فلا تقول أنني أومن أنني أراك أمامي لأنك تراني فعلا .. مادمت
تراني فهذا يقين .. ولكن الرؤية الإيمانية هي أن تؤمن كأنك ترى ما هو غيب أمامك ..
وتكون هذه الرؤية أكثر يقينا من رؤية العين .. لأنها رؤية إيمان ورؤية بصيرة ..
وهذه قضية هامة

وقد روي عمر بن الخطاب قال:
بينما نحن عند رسول الله
صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر.
لا يرى عليه أثر السفر. ولا يعرفه منا أحد. حتى جلس إلي النبي صلى الله عليه وسلم.
فأسند ركبتيه إلي ركبتيه. ووضع كفيه على فخذيه قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله. وأن محمدا
رسول الله. وتقيم الصلاة. وتؤتي الزكاة. وتصوم رمضان. وتحج البيت أن استطعت إليه
سبيلا قال:صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه.
قال: فاخبرني عن الإيمان.
قال: أن
تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وتؤمن القدر؛ خيره وشره
قال:
صدقت. قال: فاخبرني عن الإحسان،
قال: أن تعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه
فأنه يراك.
قال: فاخبرني عن الساعة؟
قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل.

قال: فاخبرني عن أماراتها
قال: أن تلد الأمة ربتها. وأن ترى الحفاة العراة
العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان.
قال: ثم انطلق فلبثت مليا .. ثم قال لي
النبي صلى الله عليه وسلم: يا عمر أتدري من السائل؟
قلت: الله ورسوله أعلم.

قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم.

قول رسول الله صلى الله عليه
وسلم:

<أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك>


.. هو بيان للرؤية الإيمانية في النفس المؤمنة .. فالإنسان حينما يؤمن،
لابد أن يأخذ كل قضاياه برؤية إيمانية .. حتى إذا قرأ آية عن الجنة فكأنه يرى أهل
الجنة وهم ينعمون .. وإذا قرأ آية عن أهل النار اقشعر بدنه .. وكأنه يرى أهل النار
وهم يعذبون.

ذات يوم شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد صحابته وكان
اسمه الحارث .. فقال له:
كيف أصبحت يا حارث؟
فقال: أصبحت مؤمنا حقا
قال
الرسول: فانظر ما تقول. فإن لكل قول حقيقة. فما حقيقة إيمانك؟
قال الحارث: عزفت
نفسي عن الدنيا. فأسهرت ليلي. وأظمأت نهاري. وكأني انظر عرش ربي بارزا. وكأني انظر
إلي أهل الجنة يتزاورون فيها. وكأني انظر إلي أهل النار يتضاغون فيها. (يتصايحون
فيها)
قال النبي "يا حارث عرفت فالزم"
ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى وهو
يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم .. يقول:

{ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب
الفيل "1" }
(سورة الفيل)

يأخذ بعض المستشرقين هذه الآية في محاولة
للطعن في القرآن الكريم .. فقوله تعالى: "ألم تر" .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم
ولد في عام الفيل .. أنه لم ير لأنه كان طفلا عمره أياما أو شهورا .. لو قال الله
سبحانه وتعالى ألم تعلم .. لقلنا علم من غيره .. فالعلم تحصل عليه أنت أو يعطيه لك
من علمه .. أي يعلمك غيرك من البشر .. ولكن الله سبحانه وتعالى قال: "ألم تر"..

نقول أن هذه قضية من قضايا الإيمان .. فما يقوله الله سبحانه وتعالى هو رؤية
صادقة بالنسبة للإنسان المؤمن .. فالقرآن هو كلام متعبد بتلاوته حتى قيام الساعة ..
وقول الله: "ألم تر" .. معناها أن الرؤية مستمرة لكل مؤمن بالله يقرأ هذه الآية ..
فمادام الله تبارك وتعالى قال: "ألم تر" .. فأنت ترى بإيمانك ما تعجز عينك عن أن
تراه .. هذه هي الرؤية الإيمانية، وهي أصدق من رؤية العين .. لأن العين قد تخدع
صاحبها ولكن القلب المؤمن لا يخدع صاحبه أبدا..

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}


انثى
المساهمات : 943
الجنسية: مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة: 3
عدد النقاط: 1912
مزاجي:

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الأحد 05 أبريل 2009, 20:27

(مالك يوم الدين "4" إياك نعبد
وإياك نستعين"5")

على أن هناك ما يسمونه ضمير الغائب .. إذا قلت زيد حضر ..
فهو موجود أمامك .. ولكن إذا قلت قابلت زيدا .. فكأن زيداً غائب عنك ساعة قلت هذه
الجملة .. قابلته ولكنه ليس موجوداً معك ساعة الحديث..

إذن فهناك حاضر
وغائب ومتكلم .. الغائب هو من ليس موجوداً أو لا نراه وقت الحديث .. والحاضر هو
الموجود وقت الحديث .. والمتكلم هو الذي يتحدث. وقضايا العقيدة كلها ليس فيها
مشاهدة، ولكن الإيمان بما هو غيب عنا يعطينا الرؤية الإيمانية التي هي كما قلنا
أقوى من رؤية البصر.

فالله سبحانه وتعالى حين يقول "الحمد لله رب العالمين"
.. "الله" غيب "ورب العالمين" غيب .. "والرحمن الرحيم" .. "غيب" .. و"مالك يوم
الدين" غيب .. وكان السياق اللغوي يقتضي أن يقال إياه نعبد. ولكن الله سبحانه
وتعالى غير السياق ونقله من الغائب إلي الحاضر .. وقال: "إياك نعبد" فانتقل الغيب
إلي حضور المخاطب .. فلم يقل إياه نعبد .. ولكنه قال: "إياك نعبد" .. فأصبحت رؤية
يقين إيماني.

فأنت في حضرة الله سبحانه وتعالى الذي غمرك بالنعم، وهذه
تراها وتحيط بك لأنه "رب العالمين" .. وجعلك تطمئن إلي قضائه لأنه "الرحمن الرحيم"
أي أن ربوبيته جل جلاله ليست ربوبية جبروت بل هي ربوبية "الرحمن الرحيم" فإذا لم
تحمده وتؤمن به بفضل نعمه التي تحسها وتعيش فيها. فأحذر من مخالفة منهجه لأنه "مالك
يوم الدين".

حين يستحضر الحق سبحانه وتعالى ذاته بكل هذه الصفات .. التي
فيها فضائل الألوهية، ونعم الربوبية .. والرحمة التي تمحو الذنوب والرهبة من لقائه
يوم القيامة تكون قد انتقلت من صفات الغيب إلي محضر الشهود .. استحضرت جلال
الألوهية لله وفيوضات رحمته .. ونعمه التي لا تحد وقيوميته يوم القيامة..


عندما تقرأ قوله تعالى: "إياك نعبد" فالعبارة هنا تفيد الخصوصية .. بمعنى
أنني إذا قلت لإنسان أنني سأقابلك، قد أقابله وحده، وقد أقابله مع جمع من الناس.
ولكن إذا قلت إياك سأقابل .. فمعنى ذلك أن المقابلة ستكون خاصة..

الحق
سبحانه وتعالى حين قال: "إياك نعبد" قصر العبادة على ذاته الكريمة .. لأنه لو قال
نعبدك وحدك فهي لا تؤدي نفس المعنى .. لأنك قد تقول نعبدك وحدك ومعك كذا وكذا. ولكن
إذا قلت "إياك نعبد" وقدمت إياك .. تكون قد حسمت الأمر بأن العبادة لله وحده .. فلا
يجوز العطف عليها .. فالعبادة خضوع لله سبحانه و تعالى بمنهجه افعل ولا تفعل ..
ولذلك جعل الصلاة أساس العبادة، والسجود هو منتهى الخضوع لله .. لأنك تأتي بوجهك
الذي هو أكرم شيء فيك وتضعه على الأرض عند موضع القدم. فيكون هذا هو منتهى الخضوع
لله .. ويتم هذا أمام الناس جميعا في الصلاة. لإعلان خضوعك لله أمام البشر جميعا.


ويستوي في العبودية الغني والفقير والكبير والصغير .. حتى يطرد كل منا
الكبر والاستعلاء من قلبه أمام الناس جميعا فيساوى الحق جل جلاله بين عباده في
الخضوع له وفي إعلان هذا الخضوع.
وقول الحق سبحانه وتعالى: "إياك نعبد" تنفي
العبودية لغير الله .. أي لا نعبد غير الله ولا يعطف عليها أبدا .. إذن "إياك نعبد"
أعطت تخصيص العبادة لله وحده لا إله غيره ولا معبود سواه .. وعلينا أن نلتفت إلي
قوله تبارك وتعالى:

{لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب
العرش عما يصفون "22" }
(سورة الأنبياء)

وهكذا فإننا عندما نقول "الحمد
لله" فإننا نستحضر موجبات الحمد وهي نعم الله ظاهرة وباطنة .. وحين نقول "رب
العالمين" نستحضر نعم الربوبية في خلقه وإخضاع كونه .. وحين نستحضر "الرحمن الرحيم"
فإننا نستحضر الرحمة والمغفرة ومقابلة الإساءة بالإحسان وفتح باب التوبة .. وحين
نستحضر: "مالك يوم الدين" نستحضر يوم الحساب وكيف أن الله تبارك وتعالى سيجازيك على
أعمالك .. فإذا استحضرنا هذا كله نقول: "إياك نعبد" أي أننا نعبد الله وحده .. إذن
عرفنا المطلوب منا وهو العبادة.

وهنا نتوقف قليلا لنتحدث عما يطلقون عليه
في اللغة "العلة والمعلول" إذا أراد ابنك أن ينجح في الامتحان فإنه لابد أن يذاكر
.. وعلة المذاكرة هي النجاح .. فكأن النجاح ولد في ذهني أولا. بكل ما يحققه لي من
مميزات ومستقبل مضمون وغير ذلك مما أريده وأسعى إليه.

إذن فالدافع قبل
الواقع .. أي أنك استحضرت النجاح في ذهنك .. ثم بعد ذلك ذاكرت لتجعل النجاح حقيقة
واقعة. وأنت إذا أردت مثلا أن تسافر إلي مكان ما .. فالسيارة سبب يحقق لك ما تريد
وقطع الطريق سبب آخر. ولكن الدافع الذي جعلني أنزل من بيتي واركب السيارة وأقطع
الطريق .. هو أنني أريد أن أسافر إلي الإسكندرية مثلا .. الدافع هنا وهو الوصول إلي
الإسكندرية .. هو الذي وجد والله سبحانه وتعالى خلقنا في الحياة لنعبده .. مصداقا
لقوله تبارك وتعالى:

{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون "56" }
(سورة
الذاريات)

إذن فعلة الخلق هي العبادة .. ولقد تم الخلق لتتحقق العبادة
وتصبح واقعا .. ولكن "العلة والمعلول" لا تنطبق على أفعال الله سبحانه وتعالى ..
نقول ليس هناك علة تعود على الله جل جلاله بالفائدة. لأن الله تبارك وتعالى غني عن
العالمين .. ولكن العلة تعود على الخلق بالفائدة .. فالله سبحانه وتعالى خلقنا
لنعبده. ولكن علة الخلق ليس لأن هذه العبادة ستزيد شيئا في ملكه .. وإنما عبادتنا
تعود علينا نحن بالخير في الدنيا والآخرة..

أن أفعال الله لا تعلل،
والمأمور بالعبادة هو الذي سينتفع بها.

ولكن هل العبادة هي الجلوس في
المساجد والتسبيح أم أنها منهج يشمل الحياة كلها .. في بيتك وفي عملك وفي السعي في
الأرض؟ .. ولو أراد الله سبحانه وتعالى من عباده الصلاة والتسبيح فقط .. لما خلقهم
مختارين بل خلقهم مقهورين لعبادته ككل ما خلق ما عدا الإنس والجن .. والله تبارك
وتعالى له صفة القهر .. من هنا فإنه يستطيع أن يجعل من يشاء مقهورا على عبادته ..
مصداقا لقوله جل جلاله:

{لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين "3" إن نشأ ننزل
عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين "4" }
(سورة الشعراء)

فلو
أراد الله أن يخضعنا لمنهجه قهراً .. لا يستطيع أحد أن يشذ عن طاعته .. وقد أعطانا
الله الدليل على ذلك بأن في أجسادنا وفي أحداث الدنيا .. ما نحن مقهورون عليه ..
فالجسد مقهور لله في أشياء كثيرة. القلب ينبض ويتوقف بأمر الله دون إرادة منا ..
والمعدة تهضم الطعام ونحن لا ندري عنها شيئا .. والدورة الدموية في أجسادنا لا
إرادة لنا فيها .. وأشياء كثيرة في الجسد البشري كلها مقهورة لله سبحانه وتعالى ..
وليس لإرادتنا دخل في عملها .. وما يقع على في الحياة من أحداث أنا مقهور فيه .. لا
أستطيع أن أمنعه من الحدوث .. فلا أستطيع أن أمنع سيارة أن تصدمني .. ولا طائرة أن
تحترق بي .. ولا كل ما يقع علي من أقدار الله في الدنيا..

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشقة الرسول

{{ مصممة مبدعة }}


{{ مصممة مبدعة }}


انثى
المساهمات : 943
الجنسية: مسلمة و أفتخر
السٌّمعَة: 3
عدد النقاط: 1912
مزاجي:

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي   الأحد 05 أبريل 2009, 20:27

إذن فمنطقة الاختيار في حياتي
محددة .. لا أستطيع أن أتحكم في يوم مولدي .. ولا فيمن هو أبي ومن هي أمي .. ولا في
شكلي هل أنا طويل أم قصير؟ جميل أم قبيح أو غير ذلك.

إذن فمنطقة الاختيار
في الحياة هي المنهج أن أفعل أو لا أفعل. الله سبحانه وتعالى له من كل خلقه عبادة
القهر .. ولكنه يريد من الإنس والجن عبادة المحبوبية .. ولذلك خلقنا ولنا اختيار في
أن نأتيه أو لا نأتيه .. في أن نطيعه أو نعصاه. في أن نؤمن به أو لا نؤمن.


فإذا كنت تحب الله فأنت تأتيه عن اختيار. تنازل عما يغضبه حبا فيه، وتفعل
ما يطلبه حبا فيه وليس قهرا .. فإذا تخليت عن اختيارك إلي مرادات الله في منهجه ..
تكون قد حققت عبادة المحبوبية لله تبارك وتعالى .. وتكون قد أصبحت من عباد الله
وليس من عبيد الله .. فكلنا عبيد لله سبحانه وتعالى، والعبيد متساوون فيما يقهرون
عليه. ولكن العباد الذين يتنازلون عن منطقة الاختيار لمراد الله في التكليف ..
ولذلك فإن الحق جل جلاله .. يفرق في القرآن الكريم بين العباد والعبيد .. يقو
تعالى:

{وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني
فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون "186"}
(سورة البقرة)

ويقول
سبحانه وتعالى:

{وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم
الجاهلون قالوا سلاماً والذين يبتون لربهم سجداً وقيماً والذين يقولون ربنا اصرف
عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً "63"}
(سورة الفرقان)

وهكذا نرى أن
الله سبحانه وتعالى أعطى أوصاف المؤمنين وسماهم عبادا .. ولكن عندما يتحدث عن البشر
جميعا يقول عبيد .. مصداقا لقوله تعالى:

{ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس
بظلام للعبيد "182" }
(سورة آل عمران)

ولكن قد يقول قائل: أن الله
تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز:

{ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله
فيقول أنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل "17" }
(سورة الفرقان)


الحديث هنا عن العاصين والضالين. ولكن الله سبحانه وتعالى قال عنهم عباد.
نقول إن هذا في الآخرة .. وفي الآخرة كلنا عباد لأننا مقهورون لطاعة الله الواحد
المعبود تبارك وتعالى .. لأن الاختيار البشري ينتهي ساعة الاحتضار .. ونصبح جميعا
عباداً لله مقهورين على طاعته لا اختيار لنا في شيء.

والله سبحانه وتعالى
قد أعطى الإنسان اختياره في الحياة الدنيا في العبودية فلم يقهره في شيء ولا يلزم
غير المؤمن به بأي تكليف .. بل إن المؤمن هو الذي يلزم نفسه بالتكليف وبمنهج الله
فيدخل في عقد إيماني مع الله تبارك وتعالى .. ولذلك نجد أن الله جل جلاله لا يخاطب
الناس جميعا في التكليف .. وإنما يخاطب الذين آمنوا فقط فيقول:

{يا أيها
الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون "183"}

(سورة البقرة)

ويقول سبحانه:

{يا أيها الذين آمنوا استعينوا
بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين "153" }
(سورة البقرة)

أي أن الله
جل جلاله لا يكلف إلا المؤمن الذي يدخل في عقد إيماني مع الله.
وسيد المرسلين
محمد صلى اله عليه وسلم عندما نضعه في معيار العبادية يكون القمة .. فهو صلى الله
عليه وسلم الذي حقق العبادية المرادة لله من خلق الله كما يحبها الله..
إذن
فالذي يقول غاية الخلق كله محمد عليه الصلاة والسلام .. نقول أن هذا صحيح، لأنه صلى
الله عليه وسلم حقق العبادية المثلى المطلوبة من الله تبارك وتعالى .. والتي هي علة
الخلق .. وهكذا نعرف المقامات العالية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند خالقه.


والله تبارك وتعالى قرن العبادة له وحده بالاستعانة به سبحانه .. فقال جل
جلاله: "إياك نعبد وإياك نستعين" أي لا نعبد سواك ولا نستعين إلا بك. والاستعانة
بالله سبحانه وتعالى تخرجك عن ذل الدنيا. فأنت حين تستعين بغير الله فإنك تستعين
ببشر مهما بلغ نفوذه وقوته فكلها في حدود بشريته..
ولأننا نعيش في عالم أغيار
.. فإن القوى يمكن أن يصبح ضعيفا .. وصاحب النفوذ يمكن أن يصبح في لحظة واحدة
طريداً شريداً لا نفوذ له .. ولو لم يحدث هذا. فقد يموت ذلك الذي تستعين به فلا تجد
أحد يعينك.

ويريد الله تبارك وتعالى أن يحرر المؤمن من ذل الدنيا .. فيطلب
منه أن يستعين بالحي الذي لا يموت .. وبالقوي الذي لا يضعف، وبالقاهر الذي لا يخرج
عن أمره أحد ..
وإذا استعنت بالله سبحانه وتعالى. كان الله جل جلاله بجانبك.
وهو وحده الذي يستطيع أن يحول ضعفك إلي قوة وكذلك إلي عز .. والمؤمن دائما يواجه
قوي اكبر منه ..
ذلك أن الذين يحاربون منهج الله يكونون من الأقوياء ذوي النفوذ
الذي يحبون أن يستعبدوا غيرهم .. فالمؤمن سيدخل معهم في صراع .. ولذلك فإن الحق يحض
عباده المؤمنين بأنه معهم في الصراع بين الحق والباطل .. وقوله تعالى: "وإياك
نستعين" مثل: "إياك نعبد" .. أي نستعين بك وحدك وهي دستور الحركة في الحياة .. لأن
استعان معناها طلب المعونة، أي أن الإنسان استنفد أسبابه ولكنها خذلته .. حينئذ
لابد أن يتذكر أن له ربا لا يعبد سواه. لن يتخلى عنه بل يستعين به .. وحين تتخلى
الأسباب فهناك رب الأسباب وهو موجود دائما .. السماء .. والله سبحانه وتعالى يكون
معه.

_________________


صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 

نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تفسير الشعراوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 15انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3 ... 8 ... 15  الصفحة التالية

 مواضيع مماثلة

-
» حزب النصر للإمام الحداد رحمه الله تعالى
» محاضرات الشيخ محمد سيد حاج
» الشيخ نورين محمد صديق ما تيسر من القران
» جلب اللمس الشيخ الروحانى محمود محمد الفحام 00201100001218
» سجل دخولك بالصلاة على سيدنا محمد صل الله عليه وسلم

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى عشاق النبي :: ~¤ô¦¦§¦¦ô¤~ القسم الاسلامي ~¤ô¦¦§¦¦ô¤~ :: منتدى القرآن الكريم و الحديث الشريف .-