منتدى عشاق النبي

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي


سنة نبينا هي طريقنا .
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 كتاب مراحل السالكين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2, 3  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:07

اللهم صل على سيدنا محمد صلاة تكتب بها السطور . وتشرح بها الصدور . وتهون بها جميع
الأمور . برحمة منك يا عزيز يا غفور . وعلى آله وصحبة وسلم .
( لسيدي الإمام أبي العلمين أحمد الرفاعي قدّس الله سره
)



***************************************




كتاب

مراحل السالكين


تأليف

القطب الغوث الأكبر والأسد
الرباني الأشهر

العلامة الفهامة الوارث المحمدي والنائب الأحمدي


بركة العصر مرشد الدهر شرف الإسلام أستاذ الخواص والعوام

مولانا
وشيخنا الأستاذ الأعظم المقبل على الله المعرض عن الناس

السيد بهاء الدين
محمد مهدي الخزامي الصيادي الشهير بالرواس

رضي الله تعالى عنه وعنا به

ونفعنا والمسلمين
بعلومه وبركاته وآدابه آمين


عني بتصحيحه السيد بدر الدين
النعساني الحلبي

الطبعة الأولى

سنة 1125 هـ - 1907 م



**************

بِسمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ


الحمد لله الذي أفاض على أهل الحقيقة من نور
الشريعة ضياء وضاحا، وأبلج لأهل المعرفة من سماء السنة مصباحا وصباحا، والصلاة
والسلام على شمس الهداية النور الأول الذي طلع في أبراج الكيان ساطعا، ولألأ في
حضرات الغيوب وحظائر الشهود لامعا، فأيد باطن الحق بمحق الباطل في البطون والظهور،
وأخرج الأمة بقوة عزم عزيمته المقدسة من الظلمات إلى النور، فهو( محمد الهادي إلى
الله )، والدال على الله، والمعلّي لكلمة الله في مُلك الله، عليه وعلى آله
الطاهرين، وأصحابه المرضيين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أفضل الصلاة والسلام،
في كل حضرة ومقام، ما برز خفي سر عن جلي إلهام، وانطوى بارز في منشور دور الأيام،
على الدوام، آمين.

أما بعد، فيقول أضعف العباد، في الإصدار والإيراد، خويدم
العلماء والفقراء، والمنعوت في حظيرة الحظائر بغريب الغرباء،( محمد مهدي ويلقب بهاء
الدين )، ابن علي آل خزام الصيادي الرفاعي الحسيني، كان الله له ولوالديه وللمسلمين
غوثا وعونا في كل مغيَّب وعينيّ، وغفر له ولهم أجمعين إنه ولي المتقين.

هذا
كتاب مبارك شريف سميته (مراحل السالكين) نفع الله به المحبين والمسلمين آمين.



مقدمة

قد عرف العارفون من أرباب الهمم الصادقة، والأذواق الحقة
والمشاهدات الحاذقة، أن الطريقة العلية الرفاعية، والمحجة المباركة الأحمدية، هي
التي تؤول في منهاجها، وترتقي في معراجها، إلى سيد القوم، المبرأ في طريقه عن
اللوم، ألا وهو علم الله المنشور، وبحر المدد المسجور، سلطان الأولياء، وبرهان
الأصفياء، (المشَرَّف بين الألوف بتقبيل يد جده سيد الأنبياء، عليه صلوات خالق
الأشياء )، شيخنا وسيدنا الغوث الأكبر، والقمر البتولي الأزهر، إمام الدوائر جحجاح
الحظائر، شيخ الأكابر والأصاغر، الوارث المحمدي الأكمل، والنائب النبوي الأفضل، بحر
العوارف الصمدانية، شمس اللطائف والمعارف النبوية، القطب الفرد الجامع، الخاشع
الخاضع المتواضع، رب المناقب الصحيحة المسلسلة، المرشد الذي هو في منصّة النيابة
الجامعة، شيخ من لا شيخ له، أبو العلمين، قرة عين جده الإمام الحسين، نبعة حال
السبطين الجليلين، رافع رايتي النيابتين، أستاذ الفريقين، المندوب لما استودع من
السر الإلهي في جميع الدواعي، ( مولانا السيد محيي الدين أحمد الكبير الرفاعي )،
رضي الله عنه وعنا به، وجعلنا من خاصة أشياعه وأحبابه، وأوقفنا لخدمة مشربه المحمدي
في بابه، وأدّبنا الله بحقائق آدابه، ونفعنا بعلومه وأسراره، وأحواله ومقاماته
وأطواره، والمسلمين، إنه البر المعين.

وطريقته العلية التي تُنسب إليه،
ويدور مدارها المبارك عليه، هي عند من يعرف سر الشرع الأنور، ويفهم لباب منهاج طريق
القوم الأزهر، أقوم طرق أهل الحقيقة على الحقيقة، وأقرب معاريج أرباب الطريقة إلى
بحبوحة الطريقة الحقيقة.



يتبع إن شاء الله تعالى...

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:07

بسم الله الرحمن
الرحيم




غير أن
أمر الدين الحنيفي يحتاج للتجديد لِما يطرأ من أولي الإهمال والجهالة عليه، ولما
يضيفه أرباب الأحقاد مما لم يكن منه إليه، يشهد لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم
(إن الله تعالى يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها).


هذا لما يطرأ على الدين من موجبات التجديد ثبت عن سيدنا عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه، أنه كان يقول: أنتم اليوم في زمان، الهوى فيه تابع للعلم، وسيأتي
عليكم زمان يكون فيه العلم فيه تابعا للهوى. وقد صح عن سيدنا (عبد الله بن عباس رضي
الله عنهما) أنه قال: لا يأتي على الناس عام إلا أماتوا فيه سُنّة وأحْيَوْا بدعة
حتى تموت السُنَن وتحيى البدع. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: يظهر المنكر والبدع
حتى إذا غُير منها شئ قيل: غيرت السنة.

قلت: وأطال في حديثه المبارك ثم
قال: أكيَسُهم في ذلك الزمان الذي يروغ بدينه روغان الثعالب، وفي سنة ثمانين وقد
كان الحجاج الثقفي أميرا على العراق من قبل الأمويين فقد كان سيدنا أنس بن مالك رضي
الله عنه يقول: ما أعرف شيئا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقد
غُير إلا شهادة أن لا إله إلا الله، قيل: فالصلاة؟ قال: أوليس قد أحدثوا في الصلاة
ما علمتم، يعني تأخيرها والتثويب قبلها، وهو السلام على الأمراء يضاهون به الإقامة
فجعلوه كالسُنة.

قال الشعبي طاب ثراه: يأتي على الناس زمان يصلون فيه على
الحجاج لأن الحجاج ابتدع أشياء أنكرها الناس عليه في زمانه وهي اليوم سُنن معروفة،
وأعمال مستحسنة، يترحم الناس على من أحدثها ويغبطونه ويحسبون أنه مأجور عليها مشكور
سعيه فيها ولا يعرفون أن الحجاج أحدثها.

فهذه العوارض تطرأ على أمر الدين
ولذلك يحتاج إلى التجديد فبالأولى أن يطرأ مثل ذلك على حال وليّ أفرغه في الأمة
وامتزجت فيه العادات المستحسنة لحكمة، وبدت فيه الأسرار الربانية لباعث، فذلك الحال
الذي هو سنن الولي في طريقته يحتاج في كل آن للتجديد، والمجددون من أهل العلم
قليلون، ولا تزلق فترى من كثرت أتباعه وانتشرت أشياعه من المجددين، كلا بل المجدد
من ظهرت على يديه أسرار إحياء السُنّة وإماتة البدعة، وشرفت أفعاله، وسلمت من الزيغ
أقواله، وصح بالاتباع المحمدي حاله.

قال شيخنا إمام الصدّيقين في زمانه،
حكيم الأولياء (السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه): كل طريقة خالفت الشريعة فهي
زندقة؛ فالطرق التي لم تشرق مناهجها بنور عِلمِ النبي صلى الله عليه وسلم وعمله
كلها باطلة، والطريق الحق، طريقه صلى الله عليه وسلم.

قال أرواحنا لجنابه
العظيم الفداء: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنة رسوله).


وقال تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).

وقال
تعالى (وإن هذا صراطي مستقيما)، والصراط المستقيم طريق المصطفى الأعظم صلى الله
عليه وسلم وسُنّته.

وقد درج على اتِّباعِهِ عليه الصلاة والسلام آله
وأصحابه والقوم الخُلَّص من السلف الصالح، ففازوا وغنموا؛ لأن من يعمل بسُنّته
وحاله لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.

وذلك لأن الله تعالى وعد من
اهتدى بهديه عليه الصلاة والسلام بإعطاء زيادة الهُدى، فقال (والذين اهتدوا زادهم
هدى)(17- محمد) ، (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا))69-
العنكبوت).

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:07

بسم الله الرحمن
الرحيم




وقد طرأ
على طريق القوم ومنهاجهم منذ قرون العجائب من الأقوال والعادات، حتى كادت تدخل عند
الكثير من أتباعهم في العبادات، وأقبحها والعياذ بالله تعالى القول بوحدة الوجود
المطلقة، والازدلاف عن وهم إلى مشارب أهل الحلول، والأخذ بالتبجح والشطحات ونسبة
التأثير إلى المخلوق استبداداً، وغير ذلك من المفاسد التي تضرُّ بالدين وتُدخل
صاحبها في زمرة المخذولين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

وقد صان الله تعالى
طريقة سيدنا ومولانا (السيد أحمد الكبير الرفاعي) رضي الله عنه من هذه المزالق، فهي
إلى الآن لم توجد في أتباعه وأشياعه، ولا قال بها منهم قائل، لا من كبارهم ولا من
صغارهم.
وغاية ما نقمه عليهم الناقمون دخول بعضهم في النيران، وركوب السباع،
والضرب بالأسلحة القاطعة، وشرب السموم، والتسلق إلى المنارات والنخيل وإلقاء الرجل
نفسه إلى الأسفل، وشيوع ذلك في عامتهم وانهماكهم بمثل هذه الأفعال، حتى غار لمثل
هذه الخوارق الجليلة بعض الفقهاء، وإن لم يبلغوا مرتبة الفقهاء الأحِقّاء، فأرادوا
تحريفها وإسقاطها عن مرتبة الكرامة بدعوى أنها لم تصدر عمّن لم يكن بنسبة أقيستهم
ولياً يستحق الكرامة.

وقد غلطوا بتأويلاتهم وابتُلوا فيما يمزق حالهم من
جهة أخرى، فمن أولئك المتفقهة أناس صححوا اللسان وأمرضوا الجَنان، تزيَّنوا للناس
في الظواهر، وأفسدوا البواطن، وأعملوا الألسن بمذمّة المسلمين، وقادوا الناس لسوء
الظن بإخوانهم المؤمنين، ونسوا ما وجب عليهم من حقوق الله، وخالفوا فيما اقترفوه
سُنن السلف الصالح عليهم رضوان الله.

وآخرون كبر علمهم عن عقولهم فلم
يُحسِنوا التصرف في العلم، فخبطوا مع كثرة علمهم، وغلطوا ورفعوا بزفرة الدعوى
أنفسَهم فسقطوا.

ومنهم أناس همهم الجعجعة بين العامة لجلب أنظار الرعاع
إليهم، وجمع الغوغاء من الأطراف والأوباش عليهم لغرض في النفس حالة كونهم لا حظ لهم
من الاتباع الصحيح، بل هم ساقطون في وهدة الحال الشين القبيح.

ومنهم من
يتحكم حمقاً بالأحكام فيصرفها إلى غير ما أتت به وله، يثبت منها ما أثبته، ويهمل ما
أهمله. وما كل أولئك بفقهاء وإن شاع ذكر بعضهم، والتفَّتْ عليهم المحافل، وجادلَ
لهم المُجادل.

سأل فرقد رضي الله عنه الإمام (الحسن البصري رضي الله عنه)
في مسألة فأجابه، فقال له: يا أبا سعيد! إن الفقهاء يخالفونك، فقال: ثكلتك أمك
فُرَيقد، وهل رأيت بعينك فقيها؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة،
البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الكافُّ عن أعراض المسلمين، العفيف عن
أموالهم، الناصحُ لجماعتهم.

فأقول: إن صدور
الخوارق التي مرَّ ذِكْرُها على يد الرجل المنتمي لطريقة (سيدنا الإمام الرفاعي)
رضي الله عنه ، صالحاً كان أو لم يكن، لا يُعَدُّ ذلك كرامة له، وإنما هو من إكرام
الله تعالى لعبده ووليِّه (السيد أحمد الرفاعي) رضي الله عنه، هبة الله له، وهي
سارية جارية لا تنقطع بإذن الله، فإن الله سبحانه وتعالى إذا وهب ما استرد.


نعم يعاتَب البعض ممن ينتمي للطريقة العليّة الرفاعية على عدم التمسك كل التمسك
بما كان عليه إمام الطريق رضي الله عنه، ويؤاخَذ لعدم العلم بشأنه ومنهاجه، وسلوكه
وآدابه، وحِكَمِهِ وأطواره وأخلاقه، وحلمه وتواضعه وتحققه، بالحال والشأن
المحمديين، والغيرة على الشرع الشريف، ورِقّة التعبير في النصيحة وإبذالها
للمخلوقين جميعا، هذا مع إرادة النفع لكل الناس على اختلاف أجناسهم ولغاتهم
ومذاهبهم ومشاربهم، ومعرفة المراتب والحدود والتحلي بالوفاء بالعهود والوقوف عند
الحدود.

ولغفول البعض عن هذه الحقيقة أردت أن أخدم طريقه المبارك ومنهاجه
السعيد بهذا الكتاب المستطاب، ليجدد إن شاء الله لسُلاّك الطريق أحكامه، وليرفع في
حضرات الحقائق الشرعية أعلامه.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:09

بسم الله الرحمن
الرحيم




وهو كتاب
مع اختصاصه بالطريق الشريف الرفاعي لا يستغني عنه عاقل من سُلاّك الطُرُق السائرة؛
فإن طريق القوم واحد كله إلى الله ورسوله عائد، فمن أراد سلوك الطريق المحمدي الذي
لا غبار عليه، وانتهاج المنهج الأحمدي الذي طارت قلوب أهل الوجدان إليه، فعليه بهذا
الكتاب المبارك، وليتخذه حرزاً وذخيرةً وكنزاً؛ ففيه بعون الله إلى الحق الطريق
الصواب، وإلى ساحة الوصول باب اتصال، ياله من باب، والله الموفق المعين، وهو يتولى
الصالحين.

وهنا سننص على مراحل القوم إلى حضرة القدس مرحلة مرحلة، ليتضح
الطريق إلى رُكبان الحقيقة، وسُلاك الطريقة، وهذا هو الطريق، وإنما إثمه على الذين
يبدلونه وحسبنا الله ونعم الوكيل.

أول المراحل: القيام بأركان دين الإسلام
الخمسة وهي الإتيان بالشهادتين المباركتين، والصلاة والصوم والزكاة وحج البيت إن
استطاع المؤمنُ إليه سبيلا.

أما النطق بالشهادتين والإيمان بما انطوتا عليه
فهو حصن الله الأكبر، وهو باب كل خير ديني ودنيوي، ولا ينفع بغير الشهادتين عمل،
ولا يتم للعبد

بسواهما من حضرات الحق أمل، وبهما يفرق بين المؤمن بالله
وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبين غيره، وكلمة )لا إله إلا الله( نور القلب والسر،
وكلمة (محمدٌ رسول الله) نور الوجه، ومعراج الروح إلى حظيرة القدس، بهما الخروج من
الظلمات إلى النور، والنجاة بعون الله يوم الحشر والنشور.

ففي (لا إله إلا
الله)، القول بوحدانية الواحد الأحد الفرد الصمد، ألا وهو الله الذي لا إله إلا هو
الذي لا شريك له، ولا نظير له، ولا ندَّ له، ولا ضدَّ له، الذي يحيي ويميت وهو على
كل شئ قدير.

والتوحيد قد عَرَّفه سيدنا الإمام الرفاعي رضي الله عنه وعنّا
به فقال: هو وجدان تعظيم في القلب يمنع عن التعطيل والتشبيه.

والبراهين على
التوحيد قائمة في كل شئ، وبادية من كل شئ، لا يجهلها إلا من سفه نفسه.

وفي
قول (محمد رسول الله)، نَشْرٌ لِلِواءِ التصديق لمُعَلِّم الخير، المُبَلِّغ
الأعظم، على رأس المُتََبِّع المؤمن المطيع، لتحصل له الولاية العامة من رسول الله
صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى (النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، وبدوام
الذكر طمأنينة القلب، وحسن الذكر في الملأ الأعلى.

وبكثرة الصلاة والسلام
على النبي صلى الله عليه وسلم، بركة الامتثال لأمر الله، والموافقة لله ولملائكته
عليهم السلام، ونور القلب والوجه، والصلاة من الله على العبد، وهي الرحمة المحيطة
التي تجيز، بإذن الله، العبدَ على الصراط، وتحسُن بها العاقبة إن شاء الله تعالى.


وحيث حصل التنبيه على قول (لا إله إلا الله) فقد لزم أن نذكر شيئاً مما
يتعلق بالذكر. عن أبي رزين رضي الله عنه أنه قال: قال له رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (ألا أدُلُّك على ملاك هذا الأمر الذي تصيب به خير الدنيا والآخرة؟ فعليك
بمجالس الذكر، وإذا خلوت فحرِّك لسانك ما استطعت بذكر الله، وأحب في الله، وأبغض في
الله يا أبا رزين، هل شعرت أن الرجل إذا خرج من بيته زائراً أخاه شيَّعه سبعون ألف
ملك كلهم يصلون عليه ويقولون: ربنا وصل فيك فصِلهُ، فإن استطعتَ أن تعمل بجسدك في
ذلك فافعل).

قلت: قال الله تعالى (واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا)، ومن
مفهوم هذه الآية الكريمة، ومن مفهوم قول الله تعالى (قل الله ثم ذرهم في خوضهم
يلعبون)، أخذ القوم بنص "الله" أو "يا الله"، والذكر الأتم الذي يشتمل على أحكام
العلم هو الذكر بنص "لا إله إلا الله".

قلتُ: قال صلى الله عليه وسلم (كل
كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر الله)، وقد أجمع
أهل العلم أن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم كان شغلهم في خمسة أشياء، قراءة
القرآن، وعمارة المساجد، وذكر الله تعالى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.


وعن عمارة بن صياد، عن سعيد بن المسيَّب، أنه سمعه يقول في الباقيات
الصالحات: ( أنها قول العبد: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا
الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله)، وأسند النسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه،
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (استكثروا من الباقيات الصالحات)، قيل: وما هي
يا رسول الله؟ قال (التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا
بالله).

وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم لأبي الدرداء (عليك بسبحان
الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فإنهن يحططن الخطايا كما تحط الشجرة
ورقها)، وقال عليه الصلاة والسلام (أفضل ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا
الله)، وقال سبحانه (فاذكروني أذكركم).

وفي الحديث القدسي (من ذكرني في
ملأٍ ذكرته في ملأ خير منه)، وفي هذا المقدار لمن يعتبر في فضل الذكر
كفاية.

_________________

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:09


-
بسم الله الرحمن
الرحيم




وأما
الصلاة، فهي بعد الإيمان بالله تعالى أشرف العبادات، وأجلّ الطاعات، وهي عماد
الدين، قال صلى الله عليه وسلم (الصلاة عماد الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن
تركها فقد هدم الدين)، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي في الليل حتى
تورمت قدماه، فقيل له : لم تصنع هذا وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال
(أفلا أكون عبداً شكورا).


وإنما الصلاة شُرِّعَت شُكراً لنعمة البدن، وما
يصل إليه من المِنَن، ويُدفع عنه من النوائبِ والمِحن، ولما استقر في السر من نعمة
الإيمان، ونور الإذعان والإيقان، ومحو ظُلمة السوء والبطلان، والكفر والظلم
والعدوان، فتكون حينئذ الصلاة شكراً لأنعم الله الظاهرة والباطنة، وبالشكر تدوم
النعم وتندفع الظُلَم.


قال الله تعالى (أقم الصلاة طرفيّ النهارِ وزُلَفاً
من الليل إن الحسناتِ يُذهبن السيئاتِ ذلك ذكرى للذاكرين)، وقال تعالى (اتل ما أوحي
إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)، وقال المفسر
الأعظم صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء
والمُنكر لم يزدد من الله إلا بُعدا).


وقال شيخ الطريق، وصدر التابعين
الإمام الحسن البصري، ومثله قال قتادة رضي الله عنهما: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء
والمنكر، فليست صلاته بصلاة، وهي وبالٌ عليه، ألا ترى أن الآية الكريمة صدرت (بإنّ)
للتحقيق والصلاة جاءت مُعَرَّفَة؟ أي على التحقيق لا مُحالة، الصلاة هي التي تنهى
عن الفحشاء والمُنكر. وتدَبَّر، فإن الله تعالى أوجب على عبده الصلاةَ ومنعه عند
أدائها عن الأكل والشرب، والكلام والحركة والسكون الذين ليسا من أجزاء الصلاة،
وأمره باستقبال القِبلة التي ارتضاها لمناجاته وجهةً، ولمحاضرتِهِ طريقا، ومنعِهِ
عن الإلتفات في الصلاة إلى غيره، بل أمره بالتوجُّه إليه في ظاهرهِ وباطنه، ليولّي
وجهة قلبه ووجهه إلى وجه الله، كما قال تعالى (فأينما تولّوا فثَمَّ وجهُ الله).


فيكمل حال صدقه، ويتم صدق حاله، ويستعد لمحاضرة ربه، ويزداد يقيناً بوعد
ربه ووعيده، ويجاهد في الله بكلِّهِ، وهنالك يكون الحظ الأوفر من سِرِّ قوله تعالى
(والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سُبُلنا)، فتحِفُّه أنوارُ الهداية بباطنه وظاهره،
ويكون مع الأنبياء والأولياء والصالحين مُنَعَّماً إن شاء الله في الجنة بالنظر إلى
وجهه الكريم.


والحُكم في الصلاة إقامتها على نص أحد المذاهب الأربعة
المتبعة في الإسلام؛ فإن الله جمع كلمة المسلمين على المذاهب الأربعة، أعني مذهب
إمامنا الشافعي، والإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام أحمد، وكلهم على هدى
حملوا لنا شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحاطوا بأكثر أسرارِها وأحكامِها،
فاجتمعت براهينُ الشريعةِ وأحكامُ أصولها وفروعها في مذاهبهم، وهم أعلم ممن بعدهم
بنصوص الشريعة، وفصول السُنّة السُنِّية، ودقائق الأحكام الدينية.


ولم
يُنقل عنهم نص أصلي أو فرعي إلا وهو من لباب شريعة النبي صلى الله عليه وسلم،
فالتفلسفُ بعد تنقيح أحكام الشرعِ الشريف وجمعها في هذه المذاهب الأربعة والازدلاف
إلى الرأي من تزيين الشيطان، ولا ينفع زعم الأخذ بالحديث الشريف كما ذهب إلى ذلك
بعض الطلاب وذلك لنقصٍ في العلم، ولعدم الإحاطة الكاملة في الأسانيد ومعرفة الرواة
وأخبارهم، ولعدم التبحُّر في تفسير كلام الله كل التبحُّر مع الوقوف المحيط على عمل
النبي صلى الله عليه وسلم، وكل المعرفة بأسرار أعماله واختلاف مشارب الصحابة
ومذاهبهم وأذواقهم فيما كان من ذلك فرعاً أو أصلا.


فقد يعدل الصحابي عن
العمل بقولٍ صحيح ويعمل بعملٍ صحيحٍ رآه من الحبيب المليح صلى الله عليه وسلم، وهذا
لا يكون من قبيل المباينة بين القول والعمل، بل هو من قبيل التوسعة في الدين، قال
تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج).


ولهذا جاء (اختلاف أمَّتي رحمة) والاختلاف ما هو بالخلاف،
فليحفظ.


ومن أسرار الصلاة تكرّرها في اليوم والليلة خمس مرات
لتتواصل أنوار المحاضرة مع الله في القلب، فيذكر العبد موقفه بين يديّ ربه وقيامه
لديه مسؤولاً عما أسرَّ وأعلن، وهنالك لا يظلم بين الصلاتين أحداً، ولا يعدو على
أحد، ولا يحتقر أحداً، ولا يطمع فيما لا يجوز له به الطمع، ولا يكذب ولا يخون ولا
يُهين أحداً من المخلوقين، ولا يغفل عن الله فيطغى، ويرى الآخرة خيراً من الأولى،
ويجعل أعماله لله ولنفع عباد الله، فيأتي حينئذٍ بالصلاة المعرفة المرْضية التي
تنهى عن الفحشاء والمنكر، ومتى انتهى عن الفحشاء والمنكر فقد صلّى الصلاة التي
افترضها الله عليه، وجاء بالركن الأعظم بعد الإيمان من أركان الإسلام.


وليعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها
التكبير، وتحليلها التسليم)، وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي في
ثلاثة أوقات، عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند زوالها حتى تزول، وعند تضيّفها للغروب
حتى تغرب، وقال عليه الصلاة والسلام (ما من امرئٍ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن
وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفّارة لما قبلها من الذنوب ما لم يأت كبيرة)،
والإحسان في الوضوء أن يأتي بجميع فرائضه وسننه وآدابه كما نصّ في مذهبه الذي
يتمذهب به.


ولهذا السرّ يجب عليه التعلم من علماء مذهبه أحكام صلاته
ووضوئه، وأن يتفقه عليهم بأمر دينه حتى يكون مهبطاً للخير الإلهي، قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم (من يُرِد الله به خيراً يفقهه في الدين)، ومتى حصلت له بركة
الفقه في الدين، قامت به الخشية من الله، وظهر في كُلِّه الخشوعُ لله، وعرف رتبة
المحاضرة في مقام العبادة مع الله.


قال صلى الله عليه وسلم (إنما الصلاة
تمَسْكُنٌ وتواضعٌ وتضرُّع)، ورأى عليه الصلاة والسلام رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة
فقال، أرواحنا لجنابه المحمدي الفداء، (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). وفي الخبر
الشريف (لا ينظر الله إلى صلاة رجلٍ لا يحضر فيها قلبه مع بدنه)، وقال عليه الصلاة
والسلام (إن الله مُقبلٌ على المُصلّي ما لم يلتفت)، أي ما لم يلتفت إلى أمور
الدنيا فيشغل قلبه بالدار والجار والمرأة والدينار وأشباه ذلك.


وإلاّ
فالتفاتُهُ إلى أمور الآخرة والتفكُّرِ بأحوالها والاعتبار بعالم الأرواح والملائكة
وسيرة النبيّين وصلاتهم وخشوعهم وأحوالهم، لا يكون مُنكَرا، يدُلُّك على ذلك قول
النبي صلى الله عليه وسلم (من صلّى ركعتين لم يًحَدِّث فيهما نفسَه بشئ من الدنيا
غفر الله له ما تقدّم من ذنبه).


وذهب بعض الأئمة الأجِلاّء رضي الله عنهم
إلى أن أنين العبد وبكاءه ولو بصوتٍ عالٍ في الصلاة إذا كان من ذكر الجنة أو النار
أو من خشية الله لا يكون كل ذلك مُفسِداً للصلاة؛ لأنه يدل على زيادة الخشوع لله
والخشية منه تعالت قدرته، وإلا إذا كان ذلك بسبب وجعٍ أو مصيبةٍ أو أمرٍ من أمور
الدنيا فإنه يُفسد الصلاة.


ويجب تدارك حفظ القلب في الصلاة من الخواطر
الدنيوية الشاغلة عن الخشية لله والتقرُّب منه، ولا يمكن ذلك إلا بذكر الموت، ودوام
ملاحظة القدوم على الله تعالى، واستحقار الدنيا وزينتَها، والتجرُّد بالكُلِّية
عنها حالة المحاضرة مع الله سبحانه وتعالى.

_________________

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:10

بسم الله الرحمن
الرحيم




وأما
الزكاة، فهي من أفضل الصدقات، ولها أسرارٌ كثيرة، وبركاتٌ وفيرة، قال الله تعالى
(مثل الذين يُنفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبّةٍ أنبتت سبعَ سنابل في كلِّ
سنبُلةٍ مائة حبة والله يضاعِفُ لمن يشاء والله واسع عليم)، وقال تعالى (الذين
ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يُتبعون ما أنفقوا مَنّاً ولا أذى لهم أجرهم عند
ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون).

ومثلُ هذه الآيات الكريمة يشملُ
الزكاةَ وغيرَها من الصدقات، وأشرف الصدقات وأجلّها وأتمّها قُبولاً الزكاة. وإنمّا
شُرِّعَتْ الزكاةُ لدفعِ حاجةَ الفقراء والمساكين لئلا يشغلهم الفقرُ عمّا خُلقوا
له من العبادة لله تعالى.
وهي بنصابها المقرَّر شرعاً ضربةُ لازب، لا بد للمسلم
من إيتائها فإن الله تعالى لم يأمر بالصلاة إلا وألحق الأمر بعدها بالزكاة على
الغالب إعظاماً لشأنِ الزكاة.

ومن أسرارِها الحثُّ على الكسبِ من الحلال
والإنفاقِ من الحلال على النفس وعلى الغير. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (على
كل مسلم صدقة)، قالوا: فإن لم يجد؟ قال (فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق) قالوا: فإن
لم يستطع أو لم يفعل؟ قال (فيُعين ذا الحاجة والملهوف)، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال
(فيأمر بالخير)، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال (فيمسك عن الشر فإنه له صدقة).


وعن ابن عباس رضي الله عنهما، جعل الله صدقة السر في التطوع أفضل من
علانيتها، وجعل صدقة الفريضة، أعني الزكاة، علانيتُها أفضل من سرها. ففضَّلَ
علانيةَ صدقة الزكاة ليعلم القائم بهذه الفريضة، وليقتدي به غيره، ولتعلن كلمة الله
في الفرائض، فتقوم بها عصائب المسلمين إعظاماً للحُكم، وفي ذلك من المنافع مادةً
ومعنى ما لا يخفى على درب له شمّةٌ من علم الشريعة المطهرة.

وقد عرفتَ أيها المُحِب أن الإسرار في النوافل كلها،
والإعلان في الفرائض كلها من آداب الشرع الشريف، فاجعل تلك القاعدة دستورا لأعمالك،
واعمل لله، وابذل في الله، وانفع نفسك وغيرك فيما يُرضي الله يحصل لك الرضاءَ من
الله والمددَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتغدو في أمان الله والحمد لله رب
العالمين
.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:10


-
بسم الله الرحمن
الرحيم



وأما الصوم،
فقد شُرِّعَ لقهرِ النفس الحيوانية، وإخماد ثائرتِها الشهوانية، وأنموذجاً عن
التساوي الأخرَويّ بين الناس، كبارها وصغارها.

وفيه حثٌّ أيضاً على الكسبِ
الحلال، والبذلِ الحلال؛ فإن الصائم يحب أن يوسِّع في رمضان على أهله وعيالِهِ
ونفسه، وأن يتصدّق على الفقراء، ولا يُقبَل ذلك إلا من مالٍ حلال.

ومن هذا
السر تفهم أنّ الشرعَ حثّكَ على العملِ الصالح، وجمْعِ المال من الطريقِ الحلال،
واستهلاكه في الطريق الحلال، وخير الصيام صيامُ رمضان لكونه من فرائضِ الله، وبعده
فلا حرج في الدين.

ومن أسرار الصوم، صَونِ القلب والجوارح ليكمل للصائم
العمل الصالح؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من لم يترك قولَ الزور والعمل به
فليس لله حاجة في أن يترك طعامَه وشرابه)، وقال عليه الصلاة والسلام (خمس يفطِّرْنَ
الصائم، الغيبة والكذب والنميمة واليمين الكاذبة والنظر بشهوة)، ومعنى قوله عليه
الصلاة والسلام (يُفطِّرْن)، أي يُفسِدْن، يؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (كم من
صائمٍ ليس له من صومِه إلا الجوع والعطش).

ومن أسرار الصوم عند
الصِدِّيقين، رفعُ الحُجُبِ عن القلب، وطردُ الشيطان، فينظر الصائم العارف بعين
قلبه إلى ملكوت السماء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لولا أن الشياطينَ
يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء)، وتفسيرا لسِرِّ هذا المعنى
الكريم قال عليه الصلاة والسلام (لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه)، أي لا يدخل
بهِمَّتِه وصحيح فكرته، ولا يرى ببصيرته حقائق ملكوت السماء لحجاب الشَبَع.


وهذا الأدبُ جارٍ في أيام الصوم وغيره، أعني عدم الشبع، فلا يملأ الحكيمُ
العاقلُ بطنَه، فإنه شرُّ وعاء يملأه. وقد علمنا أن الصائم العارف يسعى لتزييد
المال الحلال، من الطريق الحلال، وينفع بماله الفقراء وذوي الحاجات، ولا يسيء أحداً
لا بيده ولا بلسانه، ويكون نفعاً عاما، فتراه كالغيث، أين وقع نفع، وكذلك أهل
الإيمان والله المستعان.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:11



وأما الحج، فشرطه الإستطاعة، قال الله تعالى
(ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)، وقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم (من ملك زاداً وراحلةً تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً
أو نصرانيا)، يعني إذا ملك الزاد له ولعياله، إن كان ذا عيال، والراحلة، ولم يكن له
حائل يمنعه عن بيت الله، لا في نفسه ولا في حاله، وتقاعدَ عمداً عن الحج فقد وقع في
خطر الحديث الشريف.


ومن آداب الحج، أن يتوب المرء حالة تأهبه للحج، وأن
يقضي ديونه، ويُرضي خصومه، وأن يتخذ رفيقاً صالحاً للطريق، وأن يوسِّعَ في طعامه
وشرابه في الطريق، ويُليِّنَ الكلامَ مع المكاري والخادم إن كان له ذلك، وأن يرفق
بالدابة؛ فلا يُحَمِّلها ما لا تطيق أويصعِّبَ عليها، وأن لا يتجاوز الحدَّ
المعروفَ بزينة اللباس، وأن يترك فضول الكلام، وأن يُكثِر من تلاوة القرآن، وإن لم
يكن قارئاً فليُكثِر من تلاوة فاتحة الكتاب، والصلاة والسلام على النبي صلى الله
عليه وسلم، وأن يذكُرَ اللهَ كثيرا.


وعليه أن يتفكَّرَ ويتدبَّر في حِكَم
الحج، فإن منها الحث على اقتناء المال الحلال، ومنها التعارف مع الإخوان، والوقوف
على أحوال الشعوب والقبائل وصنوف الأمة في الأصقاع البعيدة، فيتعلم ما يَحسُن،
ويتباعد عما يقبح، وينتصر للمظلوم، ويقتدي بالصالحين، وتعلو في الله همته، فيعْلَمَ
العلم اليقين أن حفلة الدين لا تقوم إلا بالأمن والأمان وراحة البال وطيب المال
وقوة الرجال، ويرى قيام الصفوف في الله، فيعمل مع الجماعة لا يشذ عن إخوانه
المسلمين والنبي صلى الله عليه وسلم قال (يد الله مع الجماعة) الحديث.


فلا
يخالف سواد المسلمين شاذّاً مُبتدعاً، ولا زالاًّ مُلحدا، ولا ينقُض عهداً، ولا
يشُقَّ العصا، ولا يندمج فيمن عصى، يكون بما يكسبه إياه نظره من العبرة في صف الذين
يتعاونون على البر والتقوى، ولا ينخرط في صف أُناسٍ يتعاونون على الإثم والعدوان،
يترك الهجر والهُجر، ويعمل بالخير والبر.


ومن حِكَمِه العالية، أعني الحج،
أن الله تعالى جعله رهبانية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وجعل سفَرَهُ مِثالاً
لسفِرِ الآخرة، فيتذكر الحاج في سفره ووداع أهله وداع الأهل في سكرات الموت، ويتذكر
من مفارقة الوطن الخروج من الدنيا، ومن التفافه بالإحرام الالتفاف بالكفن، وهنالك
يكون مُتنبِّهاً يقِظاً، لا يظلم ولا يطغى ولا يتكبر، ولا يرى له على غيره
مَزِيَّة، ويُعرض عن الدنيا الدَنِيَّة بقلبه وكلِّه، ويجمعها من الحلال ليُنفقها
في الله ذريعة يتخذها للنجاة في يوم العرض على المَلِك الدَيَّان، إذا قَدِمَ عليه
عارياً أشعثَ أغبر، لا فرق بينه وبين عبده يتطلب فضل الله، ويترقَّب رحمة الله، ولا
حول ولا قوة إلا بالله.


وفي هذه الأركان الكريمة، فعلى المسلم أن يتعلم من
علماء مذهبه الذي يتمذهب به أحكامها وفرائض الأعمال المُنضمَّة بها، والسُنَن
المُندمِجة فيها، وأن يُخلِصَ في أعماله، ويجمع بين صحيحِ حالِه وصادقِ مقالِه، وأن
يُنزِّهَ نفسَه عن النقائص، ويتحلّى بأشرف الخصائص، ويتحقق بالإخلاص المحض، ألا لله
الدين الخالص.

_________________

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:12

مرحلة
الصُحْبَة


هي من
أجلّ عقبات الطريق وأصعبها وأسهلها، صعبة سهلة يعرف الأمرين فيها أهل العرفان،
وأرباب الذوق الطاهر والوجدان ولا بدع، فإن آداب الصحبة كثيرة، أساسها التوبة ثم
التحقق بحال الأستاذ في كل حال، والتخلق بأخلاقه، والعمل بأعماله، والقول بأقواله،
ولذلك لا تصح صحبة من لم يكن كاملاً عارفاً فاضلاً كبيراً في طريق الحق، متمسِّكاً
بالسُنّة المحمدية، والسيرة المصطفويّة، مُبَرّأ من الزيغ والابتداع، شريف الخلال،
طاهر الطباع، ليكون قدوةً لمن يصحبه، وللصحبة آثار.


وقد جاء في الخبر عن
النبي الأبرّ صلى الله عليه وسلم (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل).


ومن أعظم آداب الصحبة، صحة الاتباع بحُسْنِ الظن للأستاذ، والإستسلام
لحكمته، والأخذ بعقيدته بعد التحقق بأنه على السُنّة الُسنّية لم يبرح، معتقداً ما
كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وأصحابه والتابعون، نفعنا الله تعالى
والمسلمين بشريف أنفاسهم وجليل نفحاتهم، ودائم بركاتهم.


وقد يصحبُ الخبُّ
السيئُ الظنِّ العارفَ الكاملَ المحمديّ، ولكن يصحبه بقلبٍ فاسد، وعينٍ منتقدة،
وظنٍّ قبيحٍ سيئ، فلا يزداد بصحبته إلا بُعداً عن الله، وعداوةً للحق وأهله.


وقد يصحب البرُّ الكريمُ الرجلَ الصالحَ، الذي لم يبلغ مرتبته ذلك العارف
المحمديّ، ولكن يصحبه بقلبٍ سليمٍ ونيّةٍ طاهرةٍ واعتقادٍ جيّد وظنٍّ حسن، فلم يبرح
حتى يفتح الله عليه، وينتظم ببركة نيَّتِهِ وطهارةِ قلبه، وحسنِ اعتقاده في عداد
الصالحين الواصلين، وكذلك جرت عادة الله، ولا إله إلا الله.


وعلى هذا، فمن
أهم الواجبات على الصاحب السالك أن يُحْسِنَ الظنَّ بأستاذه، ويعتقد به الخير
والصلاح، وأن لا يتطرق بالنزغة الإبليسية الشبهة فيه، فمن كان كذلك لا يجيء منه شئ.


وقد جاء في كتاب الله تعالى قوله سبحانه (ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من
الجِنِّ والإنس لهم قلوبٌ لا يفقهون بها ولهم أعينٌ لا يُبصرون بها ولهم آذانٌ لا
يسمعون بها أولئك كالأنعامِ بل هم أضلّ أولئك هم الغافلون)، وقال تعالى (قد أفلح من
زكاها وقد خاب من دساها).


ومن سِرِّ كلامِ الحقِّ تقدّسَتْ أسماؤه وهو
العليم الخبير، عرفنا أنّ مُجَرَّد الصُحبة لا ينفع بل ننظر إذا رأينا للطالب
الصاحب قلباً يفقه اللطائف وعيناً تُبصرُ العوارف، وأُذُناً تسمع المعارف، وسِرَّاً
ليس بغافل، ونفساً مُزَكّاة بالأخلاق النفيسة، غير مُضَمَّخة بلوث الدسيسة، هنالك
نعتقد أنه سيُفتح عليه بإذن الله، وسيصل إلى حضرة القرب، ويندمج في أهل مرتبة الحب،
ويصير له حصة عظيمة من مائدة القلب، وإن كان كما جاء في النص، له قلبٌ ولكن لا
يفقه، وعينٌ ولكن لا تُبصر، وأُذُنٌ ولكن لا تسمع، فما هو إلا كالأنعام، بل هو
أضلّ، وهو سمير الغفلة في خَيبةِ دسيسته والعياذ بالله تعالى، والله ولي
المتقين
.
_________________

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:13




وهنا نكتة لطيفة، وتلك أن انحجاب القلب
عن الفقه بالله، وانحجاب العين عن رؤية ما يُعتبر به من أسرار الله، وانحجاب الأذن
عن سماع الكلام الذي يدل على الله، إنما كل ذلك من ظُلمة الكفر والعياذ بالله، وفي
أهل الحجاب من المؤمنين، إنما يكون من حب الدنيا والإنهماك بها والإنكباب على
جيفتها، وذلك أيضاً من حُمْقٍ في النفس وغفلةٍ في السِرّ.


قال صلى الله
عليه وسلم (الكيِّسُ مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها
وتمنّى على الله)، وقال عليه الصلاة والسلام (من أصبح والدنيا أكبر همِّه فليس من
الله في شئ، وألزم الله قلبه أربع خصال، هَمّاً لا ينقطعُ عنه أبدا، وشُغلاً لا
يتفرغ منه أبدا، وفقراً لا يبلغ غناه أبدا، وأملاً لا يبلغ منتهاه أبدا).


وقد أجمع أهل الحضرة الكبرى من أهل الله على أن المعاني يُقام لها صور في
الآخرة لإقامة الحجة، وهذا من باهر العدل الإلهي، لتبيض وجوه وتسود وجوه، قال صلى
الله عليه وسلم (يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوزٍ شمطاء زرقاء، أنيابها
بادية، مُشَوّهٌ خَلقُها، فتشرف على الخلائق، فيُقال: أتعرفون هذه؟ فيقولون: نعوذ
بالله من هذه، فيُقال: هذه الدنيا التي تفاخرتم عليها وبها تقاطعتم الأرحام، وبها
تحاسدتم وتباغضتم واعتززتم، ثم تُقذف في جهنم فتنادي: أي رب، أين أتباعي وأشياعي؟
فيقول الله تعالى: ألحقوا بها أتباعها وأشياعها).


فمن هذا الحديث الشريف،
يعرف الحكيم اللبيب أن التفاخر والتقاطع والتحاسد والتباغض، والتعزز والتكبر والحرص
والكذب والمعاصي القبيحة، والعيوب الفادحة كلها تنشأ من حب الدنيا، ومن ابتلي بحب
الدنيا وزلَّ عن طلب الآخرة، يرى العِبرةَ بعينه وكأنه ما رآها، ويسمعُ النصيحةَ
وكأنه ما سمعها، وتلقى إلى قلبه الحكمة فلم يفقهها، وهنالك من يصحب الصالحين
والحكماء الربانيين وكأنهم لم يرهم، ويقوم أمام الوليّ الصفيّ العارف المحمدي وعينه
عنه في عمى مطلق، وأذنه عن سماع كلامه في صممٍ مُطلق.


ومثل ذلك المحجوب
المردود الذي لعبت بقلبه، وعبثت بلُبِّهِ محبةُ الدنيا، من أين ينتفع بصحبة
الصالحين، وعباد الله المقربين؟ ومن أين له قلبٌ يفقه حِكَمَهم؟ وأُذُن تعي لطائف
إشاراتهم؟ وعينٌ تُبصرُ أطوارهم وأحوالهم؟ وتعتبر برقائقها، وتأخذ الحصة الواجبة من
حقائقها، شتّان بين الظلماتِ والنور، شتّان بين الظِل والحَرور.


وعلى هذا،
فيجب على من يصحب القوم أن يتنبه ويعي ويفقه، وكل ذلك بالتجرد عن الغفلة، والإنسلاخ
قلباً عن حب الدنيا، ولا يضرُّ العبدَ أن الدنيا ملء يديه إذا لم تكن في قلبه، بل
جاء في الخبر عن النبي الأطهر صلى الله عليه وسلم (ليس الرجل رجل الدنيا أو رجل
الآخرة، بل الرجل رجلهما).


وكذلك فهذا المعنى الأقدس يدل عليه قوله تعالى
(ربنا آتنا في الدنيا حسنةُ وفي الآخرة حسنة وقِنا عذابَ النار)، والحسنةُ في
الدنيا العيشةُ الراضية التي تَعْذب بالعملِ الصالح والعيشِ الرغد، والحسنةُ في
الآخرة النظرُ إلى وجه الله الكريم في الجنة، وقال آخرون: الحسنة في الدنيا محبة
سيدنا محمد وآله، والحسنةُ في الآخرة المغفرة والرِضا من الله تعالى.


وقد
رأى العارفون الصُحْبة أول قنطرة يعبر منها السالك إلى حضرة الحق، لأنها تبدل
خُلُقَ السالك السيئ بالحسن، وتفرغ فيه جذوة الحال ، فتصلح بإذن الله كلِّهِ، قال
تعالى (وكونوا مع الصادقين)، أعني الذين لم يشب إيمانهم بظلم، الذين صدقوا ما
عاهدوا الله عليه، وقفوا مع الحق وتخلَّصوا من ربقة الباطل ورجعوا بكلِّهم إلى
الله، إنا لله وإنا إليه راجعون، ومن تشبّه بقومٍ فهو منهم، ومن أحب قوماً حُشِرَ
معهم.


وقد دللنا العاقل على الباب الذي يدخل منه في مقام الصحبة إلى بحبوحة
النفع والسعادة والسلامة وهو ترك حب الدنيا، ومن تخلّص من محبة الدنيا فقد أخلص
المحبة لله ولأهل الله، وحينئذ ينتفع بصحبة من تحصل له صحبته من الصالحين، والله
المعين.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:14

بسم الله الرحمن الرحيم



مرحلة لذة العلم بالله
تعالى



لا يخفى أن أعظم لذات العارفين العلم بالله
تعالى وصفاته وأفعاله، وأعظم لذات المحجوبين، لذة الرياسة ولذة الجماع، فالإنسان
يشارك البهائم والطيور في إدراك لذة الجماع والرياسة وحبهما، حتى أن الإنسان الأحمق
البليد الذي لا يرتفع إلى النظريات، ولا يدرك المعقولات، يدرك لذة الجماع والرياسة
ويحبهما، بل ربما بذل روحه في تحصيلهما، فإذن، لا يمتاز بذلك عن سائر الحيوانات ولا
يفضلها، ولهذه الحكمة قال تعالى في أهل هذا الوصف (أولئك كالأنعام بل هم أضل)، وفي
الخبر الشريف (القردة والخنازير أعقل عند الله ممن عصاه).


ولا تحصل الفضيلة
للإنسان إلا بإدراك لذة العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله وحبه، وذلك دليلٌ على
سلامة عقل المرء وقلبه، وإلا فالقلب السقيم لا يدرك صاحبه لذة العلم بالله، ومن كان
قلبه سقيماً بالغفلة عن الله فكأنه لا قلب له، قال الله تعالى (إن في ذلك لذكرى لمن
كان له قلب ) الآية. وإن سقيم القلب لا يدرك لذة محبة الله تعالى ولذة العلم به إلا
كما يدرك العنين لذة الجماع، ولذلك ترى العنين الذي لا يلتذ بالجماع كثير الحرص على
الرياسة جمع المال، كيف كان. لأن همته تنتبه، وعزيمته لم تتوجه إلى اللذات
الأخرويّة واللطائف المعنوية الشريفة النافعة الكاملة، بل هي منصرفة من لذة خسيسة
إلى أخرى خسيسة، وما ذلك إلا من سقم القلب والعياذ بالله تعالى.


وهنا سر
لطيف، وذلك أن دواء سقم القلب التنبه بذكر الموت، واستنقاذ القلب بذلك من الغفلة،
فيقصِّرُ العبدُ أملَهُ في الدنيا، ويزهد بها ويرغب عنها بقلبه لا هادماً لها ولا
مُنقطعاً عنها، وعمّا يرجع إليه ولعياله منها بل يكتسب الحلال الطيب، ويسعى ليدفع
البؤس والضنك عن أهله وعياله، السعي المرْضيّ الذي لا يضره في دينه، ولا يبخسه
بضاعة قلبه، فيُطيل أمله في الدنيا، ويحجب والعياذ بالله قلبه عن الأخرى، فإن ذلك
الحجاب من البلاء الذي يهدم أمرَيّ العبد في آخرته ودنياه، ونعوذ بعزّة الله.


خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على أصحابه فقال (هل منكم من
يريد أن يُذهب الله عنه العمى ويجعله بصيرا؟) قالوا: بلى. قال (ألا إنه من رغب في
الدنيا وطال أمله فيها أعمى الله قلبه على قدر ذلك، ومن زهد في الدنيا وقصُرَ
أملُهُ فيها أعطاه الله عِلْماَ بغير تعلُّم، وهدى بغير هداية قلب).


والخروج عن حب الدنيا، وطلب الرياسة فيها، والقهر للنفس
بالمخالفات، والإنحطاط عن منصات الدعاوى بالكلية، هو المشرب الخاص (للإمام السيد
أحمد الرفاعي) رضي الله عنه وأرضاه،
وقد أقام ركن طريقه المبارك على ذلك،
فمن أراد الإلتحاق بجنابه، والتأدُّب بآدابه، فلينبه قلبه بالزُهد وقِصر الأمل في
الدنيا، ليضيء قلبه بنور العلم بالله تعالى، وليكون من القوم الذين طابوا بالله،
وتوكلوا عليه، لا يرون للدنيا قدْراً في قلوبهم إن أقبلت، ولا تنزعج لها هممهم إن
أدبرت، دأبهم الرضا من الله وعن الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

_________________

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:14

بسم الله الرحمن
الرحيم





مرحلة الجوع



وهي ترك الشره على الطعام وتقليله،لا الجوع المفرط الذي
يضر بالمزاج، ولا الشره على الطعام الذي يفسد نظام المعدة، قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم (أفضلكم عند الله تعالى أطولكم جوعا وتفكُّرا، وأبغضكم إلى الله تعالى كل
أكولٍ نؤوم شروب)، وفي الخبر الشريف (الفكر نصف العبادة، وقلة الطعام هي العبادة)،
وقال عليه الصلاة والسلام (أفضل الناس مَن قَلَّ طعامه وضحكه، ورضي بما يستر به
عورته)، وفي الحديث الشريف أيضا (من شبع ونام قسا قلبه).

ولا بدع؛ فإن كثرة
الأكل تورث كثرة النوم، وكثرة النوم تورث البلادة والبطاءة والبطالة، وقال عليه
الصلاة والسلام (أحيوا قلوبكم بقلة الضحك، وطهروها بالجوع، تصفو وترق).


قلت: وذلك لأن عدم الشبع يسكن زفرة النفس، ويجعلها متذللة لله تعالى، ويزيل
بطرها وطغيانها، ولا يكسر النفس شئ كالجوع.

وقد عرضت الدنيا وخزائنها على
النبي صلى الله عليه وسلم فقال (لا، أجوع يوماً وأشبع يوما، فإذا جُعْتُ صبرت
وتضرَّعت، وإذا شبعت حمدت وشكرت)، وقال عليه الصلاة والسلام (جاهدوا أنفسكم بالجوع
والعطش، فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله)، وقال صلى الله عليه وسلم
(إذا أحبَّ الله عبداً ابتلاه حتى يسمع تضرعه)، فإذا تضرع العبد اختياراً يكون أكمل
ممن يتضرع اضطرارا، على أنه تعرَّف لربه في الرخاء، وقد وعد سبحانه بأن من يتعرَّف
إليه في الرخاء يتعرَّف إليه في الشِدة.

جاء في الخبر عن النبي الأطهر
الأبرّ صلى الله عليه وسلم (إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيِّقوا
مجاريه بالجوع والعطش).

ولتعلم أيها المُحب، أن كل ما جاء في أخبار الجوع
والعطش لا يشير إلى الإفراط فيهما، بل القصد منه كله عدم الشبع والميل في ذلك إلى
طرف الجوع وعدم الريِّ التام؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كلوا واشربوا في
أنصاف البطون فإنه جُزءٌ من النبوة).

هذا هو المقصود عند الشارع الأعظم،
حكيم الأنبياء وسيدهم صلى الله عليه وعليهم أجمعين، لا أن يجوع المرءُ ويعطش حتى
تتألم نفسه، أو يعتلَّ مِزاجُهُ، فيُمرِضُهُ ذلك ويُضعِفُ دماغه، فذلك حرامٌ
البَتَّة، والنفس مَطِيَّة المرء كما ورد في الحديث، وقد أمر كل امرئ بوقاية نفسه،
ويدلُّك على مُراد الشارع قوله صلى الله عليه وسلم (طعامُ الإثنين كافي الثلاثة،
وطعام الثلاث كافي الأربعة)، وفي رواية أخرى (طعام الواحد يكفي الإثنين، وطعام
الإثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية).

واختلافُ المقاديرِ
في هذه الأحاديث الشريفة لاختلاف الأشخاص والطبائع، فالمقدار القليل النافع من
الطعام في حق كل أحد هو ما يكون دون الشبع، فلا يُمرضُ الجوعُ الرجل، ولا يُخرجه عن
اعتدال مِزاجه ويُضعف قِواه، ولا يُزحزِحُهُ عن صحته، ولا يعرض حواسه للأذى، ولا
عقله للنقصان، فذلك حرام.

ومِثلُهُ الشبع المُبطِر الذي يورِثُ كَثرةَ
النومِ والبلاهةِ والبلادةِ والبطالة والبطاءة، ويقوّي الشهوة، ويرفع على القلب
حُجُب الغفلة، ويمنع القلب أن ينظر إلى ملكوت السماوات والأرض.

وليس القلب
الذي ينظر إلى الملكوت هو الجسم الصنوبريّ الذي هو العضو الرئيس من أعضاء الإنسان،
بل هو جوهر قُدس الذات، خلقه الله سبحانه بنفخة من روحه، وألبسه ذلك الجزء
الصنوبريّ، فالجُزء الصنوبريّ مُستقرُّه ومِثالُهُ كماء الضياء في العين، وإذا كانت
المعدة معتدلة الإمتلاء، لا خالية ولا مالية، نشط الوجود، وراق الفكر، وصح الرأي،
وعكس النقيضين عكس في الحال لا محالة.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يحب اللحم والعسل، وكان يأكل الثريد باللحم والقرع، ويأمر السيدة عائشة رضي
الله عنها قائلاً (إذا طبختم قدراً، فأكثروا فيه من الدباء فإنه يسرُّ القلبَ
الحزين)، وكان يأكل لحم الطير الذي يُصاد، ولكن لا يتبعه ولا يصيده، ويحب أن يُصاد
له، وإذا جيء له به أكله.

وكان يحبُّ من الشاةِ الذراعَ والكتف، ويحب الخبز
المتخَذ من دقيق برٍّ وسمنٍ ولبن، وأكل من خبز الشعير، وأكل الرطب بالقثاء، ويحب
الزبد والتمر، ويحب اللبن، ولم يشبع من طعامٍ قط.

وهذا كان دأب شيخِنا سيد
الصدِّيقين في زمانه، الغوث الأكبر ( السيد أحمد الرفاعي الحُسيني ) رضي الله عنه
وعنّا به، ونفعنا بعلومه وآدابه والمسلمين.

فاعمل أيها المحب بهذا الأدب،
لا تُفرِّط ولا تُفرِط، وكُن وسطاً والسلام علينا وعليك والحمد لله رب
العالمين.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:15


بسم الله الرحمن
الرحيم




مرحلة الأخلاق




الأخلاق منها الحَسَنُ ومنها السيئ، قال أولو النظر:
الخُلُق كيفية نفسانية هي بطيئة الزوال عن النفس، أو غير زائلة عنها، وهي تقتضي
صدور فعل عن النفس يبرز من غير تدبُّرٍ ولا تفكُّر.


ويُقال: إذا كانت أشكال
أعضاء الإنسان على ما ينبغي، حسنة التركيب والمزاج، كانت أخلاقه حسنة على الغالب،
وقلبه سليماً شريفاً مُنقاداً للشرع والعقل، وقد ترى إنساناً حسن البشرة، جيد
الوجود، فتظنه حسن التركيب والمزاج والحال لم يكن كذلك، بل قد يكون في بعض أعضائه
ما هو قبيح التركيب لسِرٍّ قديمٍ قائمٍ في الخلق، فتراه يبرز عنه من سوء الخُلُق
العجائب، فإذا رأيت مثل ذلك فاتهم نفسك بعدم العلم بأحكام التركيب الوجودي، والمزاج
البشري، واسأل العالِمين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما حَسَّنَ اللهُ
خَلْق امرئٍ وخُلُقه فيُطعِمَهُ النار).


وعلى الغالب أيضاً فإذا كانت أشكال
أعضاء المرء وتركيبها ومزاجها على غير ما ذكرناه، وضد لما قلناه، كانت أخلاقه سيئة،
وقلبه سقيماً خسيساً، وكان مُنقاداً لهواه، أسيراً لبغيةِ نفسه.


أما
الأخلاق الحسنة، فهي الذكاء، وصفاء الذهن، والتذكُّر الحسن، والشجاعة، والثبات،
والحلم، والتحمُّل، والتواضع، والحَِميّة، والرِقّة، والسخاء، والكرم، والإيثار،
والمروءة، والعِفة، والحياء، والرِفق، والقناعة، والوَقار، والحرّية، والعدالة،
والصدق، والصداقة، والأمانة، والأُلفة، والوفاء، والشفقة، والوقوف عند الحدود،
وإنجاز الوعد، وعدم نقض العهد، وحسن القضاء، والرضا بالحق، والتنزُّه عن أموالِ
الناس، والترفُّع عن الغدر، والتباعد عن الحيلة والخديعة، والتودد إلى الناس،
والتوبة، والخشية من الله، وخالص العبادة، والصبر والشكر، والخوف، والرجاء، والزهد،
والتوكُّل، والرضاء من الله وعن الله، والمحبة الخالصة لله ولأهل الله، وقبض اللسان
إلا في حِكمة أو وموعظة أو نصيحة أو ذِكر أو كلمة بِرٍّ وخير، ورعاية حقوق الجيران،
وحفظ الوِدّ القديم، وحفظ ودّ الوالدين، وصِلة الرحِم الصوري، وإجلال الأساتذة،
وحُرمة ذوي الهيئات والشيوخ، وإغاثة اللهفان، وصَون مقادير العلماء والصالحين،
وصِلة الرحِم المعنويّ، وجبر خواطر المنكسرين، وإكرام الضيف، والصبر على المعسر،
والتباعد عن الغرور والإعجاب، والرحمة بالمسلمين، والسمع والطاعة إلا في معصية
الله، والإنسلاك في الجماعة أهل الحق، وهجر أهل البدعة والزَيغ، والبُعد كل البُعد
عن أولي العقائد الفاسدة، وزُمَر الشَطْحِ والترهات، والحياء التام من الله ورسوله
صلى الله عليه وسلم ومن المخلوقين، ورفع الهِمّة عن الزور والبهتان، ولطف المعاشرة
والرفق، ولين الكلمة، وبشر الوجه، وترك الخوض فيما لا يعني، ونصر المظلوم، والوقوف
مع الحق بالحق، وحفظ غيبة أهل الكرامة، وصيانة أعراض المسلمين من خدش أرباب الفرية،
وزُمَرِ السوء، والبُهتان، والشفقة على خلق الله تعالى كلهم على اختلاف الأجناس
والمشارب والمذاهب، والقناعة، وعلوِّ الهِمّة، والتعالي على البطالة، وإنزال الناس
منازِلِهم، ودوام الذكر، والتشرُّف دائماً بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم،
وذكر الموت، واستحقار المستعارات إذا أطغت، وحسن النية للناس، والفطنة في شؤون
الخَلْق، وعدم التَمَلُّق، وترك ما يُعَدُّ من العبث، والترفع عن اللهو واللعب،
والأخذ في القول والعمل بما يعني وترك الغِلظة، والتباعد عن المداهنة، واستكمال كل
الأعمال بالإخلاص الخالص، لتكون الأعمال والأقوال والأفعال كلها لله
تعالى.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:15

بسم الله الرحمن
الرحيم




قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم (بُعثت لأتمِّمَ مكارِمَ الأخلاق)، وقال عليه الصلاة
والسلام (إن حُسْنَ الخُلُقِ يُذيبُ الخطيئةَ كما تذيب الشمسُ الجليد)، وقال زاده
الله شرفاً وتعظيما (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقا)، وقال أرواحُنا لشريف
جنابِهِ العظيم الفداء (أثقلُ ما يوضَع في الميزان الخُلُق الحَسَن)، وقال صلى الله
عليه وسلم (والذي نفسي بيده، لا يدخل الجنة إلا حَسَنُ الأخلاق)، وقال عليه أفضل
صلوات الله وأجلّ تسليماته (إن أحبكم إليَّ وأقربكم منّي مجلساً يوم القيامة
أحسنُكُم أخلاقا).


قلتُ: وقد غصَّت الدفاترُ وصحفُ المؤرخين ورجال الطبقات
من الفقهاء والمحَدِّثينَ والصوفية وأهل النظر بذكر محاسن أخلاق سيدنا الإمام
(السيد أحمد الكبير الرفاعي الحسيني) رضي الله تعالى عنه وعنّا به، وصار الأمر
غنيّاً عن البيان لتواتُرِهِ في طبقاتِ الأمّة على ألسُنِ الرجال وأفراد هذه الملة
السعيدة في العرب والعجم.


فمن أراد أن يقتدي بنبيِّهِ، وأن يتبع أثره في
أخلاقه الطاهرة الكريمة، فليتمسَّك كًلَّ التمسُّك بسيرة (السيد أحمد الرفاعي) رضي
الله عنه، وليتخلَّق بأخلاقِهِ، ولينهج طريقته، ويندرِج في سِلك أتباعِهِ وأشياعِه
رضي الله تعالى عنه وعنهم، فإنهم أحيّوا السُنّة، وأماتوا البِدعة، وما عليك إذا
أنكر الأكمَه الألوان، وجحِد الجبانُ الكَرَّ والطعان، ورحم الله الأستاذ العارف
السيد محمد العلمي المقدسي طاب ثراه فإنه قال:




الأحمديّونَ
للإسلامِ أركانُ= شادوا الطريقَ ودينَ المصطفى صانوا

إذا طغى الدهرُ أو جارت
نوائبُهُ=فالأحمديّون ذُخري أينما كانوا


doPoetry()

1


2

الأحمـديّـونَ لـلإسـلامِ iiأركــانُ
شادوا الطريقَ ودينَ المصطفى صانوا
إذا طغى الدهـرُ أو جـارت iiنوائبُـهُ
فالأحمديّـون ذُخـري أينمـا iiكانـوا

وأما الأخلاقُ السيئة، فهي عكس ما ذكرناه من الأخلاق
الحسنة، فمن الأخلاق السيئة، البلادة وقساوة القلب، وخلف الوعد، والكذب، والغيبة،
والنميمة، وقول الزور، والبُهتان، والخوض بأعراض الناس، والحسد، والحقد، وقلة
الرحمة، والجُبن، والبُخل، والعَجَلة، والطَيش، والوقاحة، وهي قلة الحياء، وطلب
العلوِّ على الناس، والرياء، والكِبر، والدعوى العريضة، والعجب، والغضب، وعدم الرضا
عن الناس، وسوء الظن، والبغضاء، وكثرة اللغط، والحرص، والطمع، والشره على الدنيا،
وحب الأكل الكثير، والكلام الكثير فيما لا يعني، والاشتغال عن عيوب النفس بعيوب
الناس، والمناكدة، وشقَّ العصا، والإزدلاف عن طاعة وليِّ الأمر، والتزيُّن للناس،
والأمن من مكرِ الله تعالى، والإتكال على العبادة . وليقابل اللبيبُ ممّا ذكرناه من
محاسن الأخلاق، كل صِفة بضِدِها، فالضدُّ من الأخلاقِ السيئة، قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم (إن العبد ليبلغ من سوء خُلُقِهِ أسفل درك جهنّم).


ولتعلم
أيها المُحب، أن الأخلاقَ الحسنة والسيئة قد تكون خِلقيّة، وقد تكون كسبيّة، أما
دليلُ كونِها خِلقية، فالتجربة، قال صلى الله عليه وسلم (إن الله خلق آدمَ من قبضةٍ
قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فمنهم الأحمرُ والأبيضُ والأسودُ
وبين ذلك، والسهلُ والحَزَن، والخبيثُ والطيِّب)، فهذا دليلٌ قاطعٌ على أنّ من
المخلوقين مَن يُخلَقُ طيِّباً، ومنهم من يُخلَق خبيثا، يؤيد ذلك قول النبيِّ صلى
الله عليه وسلم (ما جَبَلَ اللهُ وليّاً إلا على السخاء وحُسن الخُلُق).

وأما
دليل كونِ بعضِ الأخلاق كسبيّة، فالتجربة، ألا ترى أنّ الكافر يصيرُ مؤمناً،
والمؤمنُ يصيرُ كافراً، والفاسقُ صالحاً، والصالحُ فاسقاً، والبخيلُ سخيّاً،
والسخيُّ بخيلا، وسبب ذلك المخالطةُ والإكتساب ، فمخالطة أولي الأخلاقِ الشريفةِ
والإكتساب منهم والإقتداء بهم في أفعالهم وأقوالهم، وصحبتهم تجعلُ الخُلُق السيئ
حسنا والعكس بالعكس.


وليعلم أنّ الأخلاقَ حسنةً كانت أو سيئة، خِلقيّة كانت
أو كسبيّة، قد تكون قويّة بحيث لا يقدِرُ صاحِبُها على تطهير نفسِهِ منها، وقد تكون
قويّةً في النفس جداً فلا يقدر على إزالتها إلا بالمجاهدة، وقد تكون ضعيفة فيقدر
المرء على إزالتها بالمجاهدة واستبدالها بأضدادها، يؤيد ذلك ما جاء في الخبر (العلم
بالتعلُّم، والحُلم بالتحلُّم)، فالتعلُّم صيَّرَ الجهلَ عِلما، والتحلُّم صيَّر
الطيشَ حلما.

فإذا كانت قويةً، وما قدر المرء على إزالتها، أعني الأخلاق السيئة
بالمجاهدة ، يمكن أن يأتي بأضدادها بالمجاهدة والمخالطة والتعلُّم والتخلُّق، فتضعف
قوّتُها، فهي مع بقاء أثرها في النفس تكون مضمحِلّة، لا حُكم لها، وهذه بركة
الإندراج بصحبةِ الصالحين، والتمسُّك بهَدْيِهِم والعملُ بأعمالِهِم، والله سبحانه
المُعين.

_________________

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:16

بسم الله الرحمن
الرحيم




قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم (بُعثت لأتمِّمَ مكارِمَ الأخلاق)، وقال عليه الصلاة
والسلام (إن حُسْنَ الخُلُقِ يُذيبُ الخطيئةَ كما تذيب الشمسُ الجليد)، وقال زاده
الله شرفاً وتعظيما (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقا)، وقال أرواحُنا لشريف
جنابِهِ العظيم الفداء (أثقلُ ما يوضَع في الميزان الخُلُق الحَسَن)، وقال صلى الله
عليه وسلم (والذي نفسي بيده، لا يدخل الجنة إلا حَسَنُ الأخلاق)، وقال عليه أفضل
صلوات الله وأجلّ تسليماته (إن أحبكم إليَّ وأقربكم منّي مجلساً يوم القيامة
أحسنُكُم أخلاقا).

قلتُ: وقد غصَّت الدفاترُ وصحفُ المؤرخين ورجال الطبقات
من الفقهاء والمحَدِّثينَ والصوفية وأهل النظر بذكر محاسن أخلاق سيدنا الإمام
(السيد أحمد الكبير الرفاعي الحسيني) رضي الله تعالى عنه وعنّا به، وصار الأمر
غنيّاً عن البيان لتواتُرِهِ في طبقاتِ الأمّة على ألسُنِ الرجال وأفراد هذه الملة
السعيدة في العرب والعجم.

فمن أراد أن يقتدي بنبيِّهِ، وأن يتبع أثره في
أخلاقه الطاهرة الكريمة، فليتمسَّك كًلَّ التمسُّك بسيرة (السيد أحمد الرفاعي) رضي
الله عنه، وليتخلَّق بأخلاقِهِ، ولينهج طريقته، ويندرِج في سِلك أتباعِهِ وأشياعِه
رضي الله تعالى عنه وعنهم، فإنهم أحيّوا السُنّة، وأماتوا البِدعة، وما عليك إذا
أنكر الأكمَه الألوان، وجحِد الجبانُ الكَرَّ والطعان، ورحم الله الأستاذ العارف
السيد محمد العلمي المقدسي طاب ثراه فإنه قال:


الأحمديّونَ
للإسلامِ أركانُ= شادوا الطريقَ ودينَ المصطفى صانوا
إذا طغى الدهرُ أو جارت
نوائبُهُ=فالأحمديّون ذُخري أينما كانوا

doPoetry()

1

2
الأحمـديّـونَ لـلإسـلامِ iiأركــانُ
شادوا الطريقَ ودينَ المصطفى صانوا
إذا طغى الدهـرُ أو جـارت iiنوائبُـهُ
فالأحمديّـون ذُخـري أينمـا iiكانـوا

وأما الأخلاقُ السيئة، فهي عكس ما ذكرناه من الأخلاق
الحسنة، فمن الأخلاق السيئة، البلادة وقساوة القلب، وخلف الوعد، والكذب، والغيبة،
والنميمة، وقول الزور، والبُهتان، والخوض بأعراض الناس، والحسد، والحقد، وقلة
الرحمة، والجُبن، والبُخل، والعَجَلة، والطَيش، والوقاحة، وهي قلة الحياء، وطلب
العلوِّ على الناس، والرياء، والكِبر، والدعوى العريضة، والعجب، والغضب، وعدم الرضا
عن الناس، وسوء الظن، والبغضاء، وكثرة اللغط، والحرص، والطمع، والشره على الدنيا،
وحب الأكل الكثير، والكلام الكثير فيما لا يعني، والاشتغال عن عيوب النفس بعيوب
الناس، والمناكدة، وشقَّ العصا، والإزدلاف عن طاعة وليِّ الأمر، والتزيُّن للناس،
والأمن من مكرِ الله تعالى، والإتكال على العبادة . وليقابل اللبيبُ ممّا ذكرناه من
محاسن الأخلاق، كل صِفة بضِدِها، فالضدُّ من الأخلاقِ السيئة، قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم (إن العبد ليبلغ من سوء خُلُقِهِ أسفل درك جهنّم).

ولتعلم
أيها المُحب، أن الأخلاقَ الحسنة والسيئة قد تكون خِلقيّة، وقد تكون كسبيّة، أما
دليلُ كونِها خِلقية، فالتجربة، قال صلى الله عليه وسلم (إن الله خلق آدمَ من قبضةٍ
قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فمنهم الأحمرُ والأبيضُ والأسودُ
وبين ذلك، والسهلُ والحَزَن، والخبيثُ والطيِّب)، فهذا دليلٌ قاطعٌ على أنّ من
المخلوقين مَن يُخلَقُ طيِّباً، ومنهم من يُخلَق خبيثا، يؤيد ذلك قول النبيِّ صلى
الله عليه وسلم (ما جَبَلَ اللهُ وليّاً إلا على السخاء وحُسن الخُلُق).
وأما
دليل كونِ بعضِ الأخلاق كسبيّة، فالتجربة، ألا ترى أنّ الكافر يصيرُ مؤمناً،
والمؤمنُ يصيرُ كافراً، والفاسقُ صالحاً، والصالحُ فاسقاً، والبخيلُ سخيّاً،
والسخيُّ بخيلا، وسبب ذلك المخالطةُ والإكتساب ، فمخالطة أولي الأخلاقِ الشريفةِ
والإكتساب منهم والإقتداء بهم في أفعالهم وأقوالهم، وصحبتهم تجعلُ الخُلُق السيئ
حسنا والعكس بالعكس.

وليعلم أنّ الأخلاقَ حسنةً كانت أو سيئة، خِلقيّة كانت
أو كسبيّة، قد تكون قويّة بحيث لا يقدِرُ صاحِبُها على تطهير نفسِهِ منها، وقد تكون
قويّةً في النفس جداً فلا يقدر على إزالتها إلا بالمجاهدة، وقد تكون ضعيفة فيقدر
المرء على إزالتها بالمجاهدة واستبدالها بأضدادها، يؤيد ذلك ما جاء في الخبر (العلم
بالتعلُّم، والحُلم بالتحلُّم)، فالتعلُّم صيَّرَ الجهلَ عِلما، والتحلُّم صيَّر
الطيشَ حلما.
فإذا كانت قويةً، وما قدر المرء على إزالتها، أعني الأخلاق السيئة
بالمجاهدة ، يمكن أن يأتي بأضدادها بالمجاهدة والمخالطة والتعلُّم والتخلُّق، فتضعف
قوّتُها، فهي مع بقاء أثرها في النفس تكون مضمحِلّة، لا حُكم لها، وهذه بركة
الإندراج بصحبةِ الصالحين، والتمسُّك بهَدْيِهِم والعملُ بأعمالِهِم، والله سبحانه
المُعين.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:16

بسم الله الرحمن
الرحيم




مرحلة العلم الذي طَلَبُهُ فريضةٌ على كل مُسلمٍ
ومسلمة



قد افتُرِض
على كل مسلم ومسلمة تحصيل علم طريق الآخرة، وهي محبة الله ورسوله صلى الله عليه
وسلم، والخوف من الله سبحانه، ورجاء رحمته، والإيمان بكون المرء مكلفا بهذه
الأحكام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)،
وقال عليه الصلاة والسلام (اطلبوا العلم ولو في الصين).


وذلك العلم الذي
افتُرِض هو العلم بأمر الدين، ليعرف العبد ما بينه وبين ربه من المعاملة في أمر
دنياه وأمر آخرته، فيقوم بأحكام الله الواجبة عليه، ويخلص لربه في العمل، ويعرف
آفات النفس ووساوسها، ومكائد الشيطان وخدعه وغروره ومكره، وما يُصلح من الأعمالَ
ويُفسدها، ويعرف حال القلب والنفس والخواطر وأسرارها، لأن الخواطر رُسُل الله عز
وجل إلى العبد، وهي النية التي هي أول كل عمل، وعنها تظهر الأفعال، وبحكمها تقوم
الأعمال، وتنسج على ذلك المنوال.


ولذلك يجب التفريق بين لََمّة الملك
ولَمّة الشيطان، وبين خاطر الروح ووسوسة النفس، وبين علم اليقين وقوادح العقل،
ليميز بذلك المرء بين أحكام الخواطر والوساوس، واللمّتين المذكورتين، وبين العلم
اليقين وقوادح العقل.


ولا بدع، فطاعة الله تعالى، وطاعة رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فرضٌ على كل مسلم ومسلمة، فإذن العلم الذي يقيم العبد في طاعة الله
وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، هو فرضٌ لا محالة، ومنه علم الفرائض والسُنَن،
والحلال والحرام، وهذا العلم الجامع لهذه الدقائق الشريفة التي ذكرناها يسمى فِقهاً
وشريعة وديناً وحكمةً وصراطاً مستقيماً وسُنّة، ويُسمى علم طريق الآخرة.

ومتى
صحّت للعبد الطاعة لله تعالى، ولرسوله صلى الله عليه وسلم على قانون العلم الإلهي
المحمدي، فقد صح له الجهاد في الله، وثبتت له الهداية بشاهد قوله تعالى (والذين
جاهدوا فينا لنهدينَّهم سبلنا)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من عمل بما
يعلم ورَّثَه الله علم ما لم يعلم).


فببركة الطاعة الخالصة المطابقة لأمر
الله تعالى، ولأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، يُفاضُ العلمُ اللَدُنِّيّ للعبد،
ويورثه الله من العلوم الربانية ما لم يكن يعلم، قال اللهُ تعالى (واتقوا الله
ويعلِّمكم الله).


ولهذا السِرُّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تعلموا
اليقين وإني متعلم معكم)، واليقين أي بذات الله تعالى وصفاته، بحيث يفتح بالطاعة
الخالصة كنوز حقائق الملكوت، ومجموع هذه النعوت التي نعتنا بها هذا العلم إذا
اجتمعت وصارت جملة أو كلمة فقل: هي علم التصوف الذي هو علم طريق الآخرة، وهو الذي
فصلناه، ومعراجه الزهد والإخلاص.


قال صلى الله عليه وسلم (من زهد في الدنيا
أدخل الله قلبه الحكمة) الحديث، وفي الخبر (من أخلص لله أربعين صباحا، تفجّرت
ينابيع الحكمة من قلبه، وجرت على لسانه)، ومن أخلص لتتفجر، لم تتفجر.


فإذا
تحلّى القلب بالزهد والإخلاص، عرجت الهمة إلى حظيرة القرب، وانكشفت للسِرِّ
الحُجُب، وعُدَّ العبد في العلماء أهل القبول الذين يحبهم أهل السماء.


فمن
هذه الإيضاحات اللطيفة، يظهر لك أيها المحب أنه لا فرق بين علم الظاهر وعلم الباطن،
إذ علم الباطن نتيجة علم الظاهر، وكلاهما واحد، فعلم الباطن صدق حال القلب بالعمل،
وعلم الظاهر علم الأحكام الذي يرتضي الله العمل بها . وبعد فهم الأحكام كما شرع سيد
الأنام صلى الله عليه وسلم، والعمل بها بالإخلاص الخالص والحال المحمدي، فلا حاجة
في أمر الآخرة وشؤون القلب إلى علمٍ أو فن آخر، بل يكون ذلك الرجل الجامع بين العلم
بالأحكام والعمل مخلصا بها من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء المعنيين بقوله عليه
الصلاة والسلام (العلماء ورثة الأنبياء، يحبهم أهل السماء، وتستغفر لهم الحيتان في
البحر إلى يوم القيامة).

_________________

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:16

بسم الله الرحمن
الرحيم




ولا يكمل
لنا الإرث لساداتنا الأنبياء صلوات الله عليه وتسليماته عليهم إلا ببثِّ هذا العلم
المبارك في الأُمة، وتعليمه الناس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (على خلفائي
رحمة الله)، قيل: من خلفاؤك؟ قال (الذين يحيون سُنّتي ويعلِّمونها عباد الله)، وقال
عليه الصلاة والسلام (من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام، فبينه وبين
الأنبياء درجة واحدة في الجنة)، وقال صلى الله عليه وسلم (فضل العالم على العابد
كفضلي على أدنى رجل من أصحابي)، وقال عليه أفضل الصلاة وأتمّ السلام (لا حسد إلا في
اثنتين، رجلٌ آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويُعلِّمها الناس، ورجل آتاه الله مالاً
فهو ينفق منه سِرَّاً وجَهرا).


وهذا الحسد المعنيّ بهذا الحديث الشريف هو
الغبطة، لا الحسد المطلق، فإن الغبطة إرادة الخير للمغبوط وإرادة مثله للنفس،
والحسد إرادة زوال نعمة المحسود والعياذ بالله تعالى، وذلك خُلُق إبليس قبحه الله،
فليحفظ.


ولا بدع، فالعُلماء أُمَناء الرُسُل، لكن إذا حفظوا عهودهم، وصانوا
ذمتهم، ووقفوا مع الحق، قال صلى الله عليه وسلم (العُلَماءُ أُمَناءُ الرُسُل على
عباد الله ما لم يخالطوا السلطان، فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم
واعتزلوهم).


والمخالطةُ ليست بمجرد المُعارَفة والمُقارَبة، إنما هي
بالموافقة على ما لم يكن من شرائع المُرسَلين عليهم الصلاة والسلام، بل هو مجرد
غلبة قاهرة وهي السلطة.


واختلف أهل النظر في هذه النكتة، فقالوا: مقاربة
السلطان تجب على العلماء الذين يقولون الحق، ويخلصون له النصيحة، ويبيِّنون له حُكم
الكتاب، وحِكمة السُنّة المُحمدية، ويُذكِّرونه بالآخرة، ويشفعون لديه الشفاعة
الحسنة، فينفعون الصالحين والأخيار وذوي الشرف وأهل الحق، ويكفون عنه وعن المسلمين
شرور أهل البغي والفساد، وأرباب المكر والخديعة والإلحاد، وقد عُدَّ مثل أولئك على
لسان النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم بأنهم من الأبدال.


كتب عمر بن عبد
العزيز طيَّب الله مرقده، وعَمَّه برضوانه ورحمته في أيام خلافته إلى الإمام الحسن
البصري رضي الله عنه: أما بعد، فأشِرْ عليَّ بقومٍ أستعينُ بهم على أمر الله عزَّ
وجل، فكتب إليه: أما أهل الآخرة فلن يريدوك، وأما أهل الدنيا فلن تريدهم، ولكن عليك
بالأشراف فإنهم يصونون شرفَهم عن أن يدنسوه بالخيانة.


وفي كلام الحسن
البصري نوَّرَ اللهُ ضريحَهُ نكتة، وتلك أن أبناء الآخرة الصُرَّف الذين لا حظَّ
لهم من عِلم الدنيا لا يريدون القُرب من الملوك لعجزهم عن القيام بالحقوق التي تجب
عليهم من النصيحة لأئمتهم، والوقاية لهم من خِدَعِ أهل الطمع والشرَه على الدنيا،
والصيانة لشؤونهم ولشؤون الأُمة، وأما أبناء الدنيا الصُرَّف، فالملك الصالح سيَّما
عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأضرابه، فهم لا يريدونهم البتة، ولكن الذين
يُرادون من قِبَل الملوك الصالحين ويجب عليهم القُرب منهم فأولئك الجامعون بين
الأمرَين، رجال الدنيا ورجال الآخرة، وهم الرجال الكُمَّل الذين أشار إليهم النص
النبوي بلفظ (ليس الرجل رجل الدنيا أو رجل الآخرة، بل الرجل رجلهما).


وقد
حثَّ الإمام الحسن على اصطناع الرجال الأشراف أهل المروءات، الذين يقدِّمون غنيمة
الشرف والمجد على غنيمة المال، وإلا فلو كان النهي مطلقاً لتعطلت أحكامُ الشريعة،
ولسقط حكم الأمر بالنصيحة التي أمرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبذُلها لله
ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين ولعامتهم.


وعلامة العالم الناصح المتحلي
بحكم هذه الحكمة النبوية، أن تكثر حسَّاده وأعداؤه من أهل الباطل وكلاب الدنيا، قال
الثوري رضي الله عنه: إذا رأيت العالِم كثير الأصدقاء، فاعلم أنه مخلط، وإذا رأيت
الرجل محبَّباً إلى إخوانه، محموداً في جيرانه فاعلم أنه مُراء.


قال سهلٌ
رضي الله عنه: العلم كله دنيا إلا العمل به، والعمل هباء إلا الإخلاص، والناس موتى
إلا العلماء، والعلماء سكارى غير العاملين، والعاملون مغرورون إلا المخلصين،
والمخلص على وجلٍ حتى يُختَم له بخير، وتلا قول الله تعالى (إنما يخشى اللهَ من
عباده العلماء).


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:17

بسم الله الرحمن
الرحيم



وقال شيخ
مشايخ الإسلام مولانا (السيد أحمد الرفاعي) رضي الله عنه وعنّا به: خمسٌ من علامات
علماء الآخرة، الخشية من الله، والخشوع لله، والتواضع، وحُسن الخُلُق، والزُهد الذي
يتحكم في القلب، وهو الذي لا يضره إقبالُ الدنيا بحذافيرها على المرء، فإن زاهد
القلب لا تطيب نفسه بهذه المُستعارات، ولا تستفِزّه طقطقةُ النعالِ خلفه، قال تعالى
في حق قارون (فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياةَ الدنيا يا ليت لنا
مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظٍّ عظيم * وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير
لمن آمن وعمل صالحا).


فعلماء الآخرة مع تقلُّب الدنيا في أيديهم لا تهشُّ
إليها نفوسُهُم، ولا تميلُ إليها قلوبُهم، وهمُّهم الدلالةُ على الله والدعوةُ
إليه، وأولئك هم ورثةُ الأنبياءِ حقا، قال تعالى (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى اللهِ
وعمل صالحا).


وقد نبّه القرآنُ العظيمُ بأمرِ الله الحكيم العليم، رسولَ
اللهِ صلى الله عليه وسلم، ودلَّهُ على طريق الدعوة إليه سبحانه بنص (ادْعُ إِلِى
سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل- 125 )، وأنبأه
عليه الصلاةُ والسلام كتابَ الله، والله سبحانه أصدقُ القائلين، بأن من اتبعه صلى
الله عليه وسلم يكون من الداعين إلى الله على بصيرةٍ بنص (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي
أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي )(يوسف-108).


ولسِرِّ هذه الحكمة المنصوصة، كان الأئمة من علماء الظاهر إذا أشكلت عليهم
مسألة اختلفت فيها الأدِلّة، سألوا أهل العلم بالله تعالى الذين صحت لهم مَزِيّة


الاتباع الكامل للنبي الأكمل الأكرم صلى الله عليه وسلم، فوعوا أسرارَ
أقوالِهِ، وعملوا بجليل أعماله، وتحلّوا بشريف أحواله، وما زالوا قيض شعرة عن
منواله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وخدامه وأشياعه.


وقد
كان إمامُنا الشافعي والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهما يجلس الواحد منهما بين
يدي شَيبان الراعي كما يجلس الصبي بين يدي المعلم ويسأله عما يشكل عليه، فقيل له:
مثلك في علمك وفقهك وشرفك يسأل هذا البدوي؟ فيقول: إنه وفق لما لم نُحِط به علما.


وكان يحيى بن معين والإمام الجليل أحمد بن حنبل يختلفان إلى الشيخ معروف
الكرخي فيسألانه، ولم يكن يحسن من العلم ما يحسنانه، فقيل لهما في ذلك فقالا: قيل
لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! كيف نصنع إذا جاءنا أمر لم نجده في
كتاب الله ولا في سنة رسول الله؟ فقال (سلوا الصالحين)، وفي روايةٍ أخرى (سلوا
الصالحين واجعلوه شورى بينهم، ولا تقضوا فيه أمراً دونهم)، انتهى كلام شيخ مشايخنا،
إمام الكل في الكل (السيد أحمد الرفاعي) رضي الله عنه وعنّا به.

_________________

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:17

بسم الله الرحمن
الرحيم





وقال
(سيدنا الإمام الرفاعي) نفعنا الله والمسلمين بعلومه في بعض مجالسه الشريفة: كلُّ
علمٍ من العلوم قد يتأتى حفظه ونشره لمنافقٍ ومبتدعٍ ومُشرك إذا رغب فيه وحرص عليه،
لأنه نتيجة الذهن وثمرة العقل، إلا علم الإيمان واليقين وما ينتج عنهما، فإنه لا
يتأتى ظهور مشاهدة ذلك، والكلام في حقائقه إلا لمؤمنٍ مُوقنٍ تقي، لأن ذلك ثمرة
الإيمان النيِّر، وهو من آيات الله وعهده، وآيات الله تعالى لا تكون للفاجرين، ولا
ينال عهده الظالمون.


فالعلم بالله تعالى والإيمان به قرينان لا يفترقان،
وبمقدار العلم بالله يكون الإيمان به ففي الخبر (الإيمان عريانٌ ولباسُهُ التقوى،
وزينتُهُ الحياء وثمرَتُهُ العلم)، انتهى كلامه العالي.

فتدبر أيها المحب
أسرارَ هذا الكلام، وزيِّن إيمانَك بالحياء، وألبِسْهُ دِرع التقوى، لينتج لك العلم
بالله، فتكون من عباد الله المُقرَّبين، ومن أحبابه الموفَقين، وأوليائه المقبولين،
الذين (لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون).


ولا يكمل لك هذا الشأن إلا بخدمة
أهله الذين ساروا ووصلوا وعلموا وعملوا.


ولا بدع، فعلماء طريق الآخرة
طائفتان، طائفةٌ علمت علم الأحكام وعملت به، ولم يحصل لها كمال التحلي بحال النبي
صلى الله عليه وسلم، فسبغت ظواهرهم بحكم العلم، ولم تسبغ بواطنهم بحكمته، فلم تفتح
أقفال قلوبهم فقيل لهم علماء الظاهر، والأخرى علمت علم الأحكام وعملت به وتحلت بحال
المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، ففتحت لهم خزائن القلوب، وبها عرفوا حقائق
الملك والملكوت، لأن بواطنهم سبغت بنور الحال المحمدي، فقيل لهم علماء الباطن.


وكلهم في الحقيقة قافلةٌ ، واحدةٌ سبقت واحدةً في الطريق المحمدي، فوصلت،
والأخرى على الطريق، ولا فرق بينهما إذ الطريقة المطروقة، وما هي إلا طريقة النبي
صلى الله عليه وسلم، وسُلاّكُها ورّاث الصحابةِ الكرام، فالسابقون السابقون، أولئك
المقربون، وما أبو بكر بفضله وعلمه، وعُمر بعقله وعدله، وعثمان بحيائه وسخائه، وعلي
باستجماعه الفضائلَ والمناقب، وارتقائه إلى شوامخ المراتب ، كراعٍ من الصحابة رأى
رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه، وأخذ عنه، شتّان بين العلمين، شتّان بين
الفهمين، شتّان بين المنزلتين، ولكن كلُّهم في ساحةِ الصُحْبَةِ واحد، هذا نقول فيه
صاحب رسول الله، والآخر نقول فيه كذلك، ولكل منهم مقامٌ معلوم، رضي الله عنهم
أجمعين.


وللطائفتين المذكورتين شأنٌ كريم، وحالٌ عظيم، فالسارية بعد
الواصلة يُرجى لها الوصولُ إن شاء الله، غير أن الواصلة هي التي يُطلق على حزبها
المبارك نعت أولي الألباب، قال تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ (190)
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا
بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191))(آل عمران).


ولا ريب،
فالطائفةُ الثالثة التي تعلَّمت العلمَ لغير الله، وانصرفت هِمَمُها إلى الدنيا،
فهُم علماءُ السوء، قال فيهم تعالى (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب
ويشترون به ثمناً قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يُكلمهم الله يوم
القيامة ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم * أولئك الذين اشتروا الضلالةَ بالهُدى
والعذابَ بالمغفرة فما أصبَرَهُم على النار)، وقال رسول الله صلى الله عليهم وسلم
(العُلماءُ أُمَناءُ الرُسُل ما لم يدخلوا في الدنيا، فإذا دخلوا في الدنيا
فاحذروهم على دينكم)، وقال عليه الصلاة والسلام (من ازداد عِلماً ولم يزدد هدى، لم
يزدد من الله إلا بُعدا)، وقال صلى الله عليه وسلم (هلاك أمتي عالمٌ فاجر، وعابدٌ
جاهل، وشر الشِرار شِرار العلماء، وخير الخِيار خيارُ العُلماء).


وليُعلم
أن علماء الدنيا هم الطالبون لها بالعلم ، الآكلون لها بالدين المتخذون الأخِلاّء
والأصدقاء مِن أبنائها المُكَرِّمون المحبون لهم الُقبلون عليهم بالبِشر والبَشاشة،
المُعرِضون عن الحق وأهله، المتباعدون عن الصالحين.


والعلماءُ بالله هم
الزاهدة قلوبهم في الدنيا المستصغرون لها، الراغبون عن أهلها المُحِبون للصالحين
وأهل الحق، الذاكرون لله الناصحون للخَلْق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا
تجلسوا عند كل عالِمٍ إلا كل عالم يدعوكم من خمس إلى خمس، من الشك إلى اليقين، ومن
الرياء إلى الإخلاص، ومن الرغبة إلى الزهد، ومن الكِبْرِ إلى التواضع، ومن العداوة
إلى النصيحة.


ولمّا دخل البصرةَ سيدُنا أمير المؤمنين إمام الدين علي
المرتضى، كرم الله وجهه ورضي الله عنه، بعد أن استقام له الأمر، دخل جامعها فأخرج
القصّاص، حتى انتهى إلى حلقة الحسن البصري رضي الله عنه، وهو يومئذٍ شاب، فاستمع
إليه وهو يتكلم على الناس، فأعجبه كلامَه فقال: يا فتى! أسألك عن شيئين، فإن أجبت
تركتُكَ تتكلّمُ على الناس، وإلا أخرجتك كما أخرجت أصحابك، فقال: سل يا أمير
المؤمنين، فقال: أخبرني ما صلاح الدين وما فساده؟ قال: صلاحه الورع، وفساده الطمع،
قال: صدقت، تكلم، فمثلك يصلح أن يتكلم على الناس.

_________________

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:18

بسم الله الرحمن
الرحيم




(تنبيه)
لم يكن بالعالِم من كان عالِماً بعِلم غيره، وحافظاً لفقه سواه، بل مِثلُهُ يُقال
له راوية، وواعياً، وحاملاً، وناقلاً، قال أبو حازم: ذهب العلماءُ وبقيت الأوعية.
وكان الزهري رحمه الله تعالى يقول: حدّثني فُلان، وكان وِعاءاً للعلم، وتارةً يقول:
وكان من أوعية العلم، ولا يقول: وكان عالماً، وهذا من مضمون قول النبي صلى الله
عليه وسلم (رُبَّ حامل فقهٍ غيرُ فقيه)، وفي روايةٍ أخرى (رُبَّ حامل فقهٍ إلى من
هو أفقه منه).


فإنما كان العالِم عندهم، الغني بعلمه لا بعلم غيره، والفقيه
عندهم هو الفقيه بفقه علمه وقلبه لا بحديث سواه. روى كعب الأحبار ومثله روى ابن
عباس رضي الله عنهم أجمعين عن الإمام المرتضى سيدنا علي كرم الله وجهه ورضي الله
عنه أنه قال: أنّه يكون في آخر الزمان علماء يُزَهِّدون الناسَ في الدنيا ولا
يَزهَدون، ويُخوِّفون ولا يخافون، وينهون عن غشيان الولاة ولا ينتهون، يؤثرون
الدنيا على الآخرة، ويأكلون الدنيا بألسنتهم أكلا، يقرِّبون الأغنياء، ويُبعدون
الفقراء، يتغايرون على العلم كما يتغاير النساء على الرجال، يغضب أحدهم على جليسه
إذا جالس غيره، ذلك حظهم من العلم. وقال حُذيفة رضي الله عنه: إن معروفكم اليوم
مُنكَر زمان قد مضى، وإن مُنكَرَكم اليوم معروف زمان يأتي، وإنكم لن تزالوا بخير ما
عرفتم الحق، وكان العلم فيكم غير مستخف. وقال أيضا: يأتي زمان يكون العالِم بينهم
كالحمار الميت لا يلتفتون إليه، يُستخف المؤمن فيه كما يستخف المنافق فينا اليوم،
ويكون المؤمن يومئذٍ أذل من الأَمَة.


فتدبَّرْ أيها اللبيب، ترى أن ذُل
الأُمَّة يكون من الاستخفاف بالعلماء، وذُل العلماء يكون من استخفاف بالعلم، وعلى
كل حال، فعلى الأمة ضربة لازب إجلال العلماء لأنهم أوعية شريعة رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وهم العالِمون بها. جاء في الخبر (يأتي على الناس زمانٌ مَن عرف فيه
الحق نجا)، قيل: فأين العمل؟ قال (لا عمل يومئذ لا ينجو فيه إلا من هرب بدينه من
شاهق إلى شاهق).


وعن أبي هريرة رضي الله عنه: يأتي على الناس زمانٌ مَن عمل
منهم بعُشْرِ ما أُمر به نجا، وفي لفظ، بعُشْرِ ما يعلم نجا. وقال أبو الدرداء رضي
الله عنه: إنكم لن تزالوا بخير ما أحببتم خياركم، وقيل فيكم الحق فعُرف، وويلٌ لكم
إذا كان العالِم كالشاة النطيح.


وقد سُئل شيخ مشايخ الإسلام مولانا السيد
(أحمد الرفاعي) رضي الله عنه عن لُباب العلم وشرائف نتائجه فلخَّصَها بجوابه للسائل
فقال: يا مبارك! قال تعالى (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ
وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ
هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ )(آل
عمران) ، (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ
فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85))(آل عمران)، فوحِّد الله بعِلمك، وكن
مُسلِماً بيقينك، تُحسب في عِداد العلماء، وبشِّر بالجنة الذين باعوا أنفسَهم لله
قائمين بالقِسط، لا يظلمون، ولا يطغون، ولا عن طريقة النبي صلى الله عليه وسلم
ينحرفون، ولله يغضبون ويرضون، ولعباد الله يرحمون، ومع الحق لا مع الغرض يقفون،
واعلم! أن كل شئٍ هالكٌ إلا وجهه، يُهلِكُ مَن عصاه، ويمحق من أيس من رحمته،
ويمُنُّ على من أطاعه وأحسن الظن به، ومن عرف الله فأطاعه نجا، ومن عرف الشيطان
فعصاه سلم، ومن عرف الدنيا فزهدها قلبه طابت عيشته وحسنت عاقبته، ومن عرف الحق
فاتَّبعه فاز، ومن عرف الباطل فاجتنبه أمِن، ومن عرف الآخرة فطلبها سعِد، ومن
غرَّتهُ الدنيا ندِم في عُقباه، ومن هذَّب نفسه برأيه غلط، ومن هذَّبها بما جاء به
رسول الله صلى الله عليه وسلم هُدي إلى الصواب، وكان من الآمنين يوم الحساب. والعلم
كل العلم، الأخذ بما أتى به الرسول، والانتهاء عما نهى عنه، وأدبُ العِلمِ الشفقةُ
على خَلْقِ الله كلهم، وإرادة الخير لهم، والصبر في الله، والرضا من الله، والشكر
لله، والرجوع في جميع المآرب والمقاصد إلى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي
العظيم. انتهى كلامه العالي، وفيه كل ما يبتغيه العالِم
والعاقل.

_________________

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:19

بسم الله الرحمن
الرحيم





مرحلة الخوف من الله



قال الله تعالى (يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون)،
وقال سبحانه (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب
من المحسنين)، وقال تعالى (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي
المأوى)، وقال عليه الصلاة والسلام (من خاف اللهَ خافَه كلُّ شئ، ومن لم يخف الله
خوَّفه الله تعالى من كل شئ)، وفي الآثار الشريفة (رأس الحكمة مخافة الله)، وقال
عليه الصلاة والسلام (قال الله تعالى: وعِزَّتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين ولا
أجمع له أمنين، فإذا أمِنَني في الدنيا أخفته يوم القيامة، وإذا خافني في الدنيا
أمنته يوم القيامة).

وقال شيخ مشايخنا الإمام (السيد أحمد الرفاعي) رضي
الله عنه: الخوف سوط الله، يقوِّم به نفساً تعوَّدت سوء الأدب. ثم قال: فالعاقل
يخاف قبل أن يخاف، ويتأدب قبل أن يؤدَب، فلن يحرق شهوات النفس ويزيل آثار آفاتها
إلا الخوف.

وقال العارف بالله ذو النون المصري رضي الله عنه: لا يُسقى
المحب كأس المحبة إلا من بعد أن ينضج قلبه بالخوف.

والخائفون على أقسام،
منهم من يخاف منه تعالى على دنياه، ومنهم مَن يخاف منه لأجل آخرته، ومنهم مَن يخاف
لمعرفته بعظمته سبحانه وقدرته وكبريائه وجماله وجلاله وسائر صفاته. وهذه أشرف
الأقسام؛ قال تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
الْعُلَمَاء)(فاطر28)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنا أخْوَفُكُم لله
تعالى)، وقال شيخ وقته سهل أبو محمد التستري رضي الله عنه: المريد يخاف أن يبتلى
بالمعاصي، والعارف يخاف أن يبتلى بالقطع، وذلك لعلمه بسرعة تقلب القلب.


قلت: قال أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثر أن
يقول (يا مُقلِّب القلوب، ثبت قلبي على دينك)، فقلت: يا نبي الله! آمنا بك وبما جئت
به، فهل يُخاف علينا؟ قال (نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها
كيف يشاء)، وهذا من قبيل تمثيل المعاني بالصور، فتدبر، والمعنى أن القلوب بين إصبعي
القضاء والقدر.

ومن أقسام الخوف الشريفة الكاملة، خوف الصِدِّيقين، وفيه
محاسبة النفس على كل نفَس، ومراقبة الرقيب في كل وقت، والورع عن الإقدام على
الشُبُهات من كل شئ، ومن أهمها الخوض بالعلوم بغير يقين، والعمل بغير فقه، وسجن
اللسان من أن يُدخِل في دين الله ما لم يذكره تعالى لنبيه في كتابه، ولم يشرعه
رسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم، ولم ينطق به خزائن الشرع الأئمة من السلف رضوان
الله تعالى عليهم أجمعين.

ومنها الخوف على الإيمان، قال يحيى الرازي قدس
الله روحه: إن الخوف على الإيمان علامة الغبطة بدوام وجوده، وإن الذين يُخشى عليهم،
والعياذ بالله تعالى من سوء الخاتمة ثلاث طوائف: الأولى:- أهل البدع والزيغ في
الدين، الذين يُحدِثون في دين الله من الأقوال والأفعال ما لم يكن منه. والثانية:-
أهل الدعوى، الذين يرون أنفسهم وأعمالهم، ويظنون الخيرية على الخلق بأعمالهم.
والثالثة:- المتجاهرون بالفسق والفجور واتباع الهوى وطاعة الشيطان، الذين يرون
أتباع الشيطان أحب إليهم من أتباع كتاب الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.


ومن أقسام الخوفِ، الخوفُ من قسوة القلب وغفلته، فإن القلب إذا طمَّته
القسوة والغفلة قاد صاحبه إلى ظلم العباد، واحتقار الباقيات الصالحات، والغرور
بالفانيات، وأهان الحق، وأحب الباطل وأصحابه، وعدا على الله تعالى وآياته وكلماته،
وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد ترى البعض يبكون وقلوبهم أقسى من الحجارة،
فإذا بكت العين وقسا القلب، دلَّ ذلك على النفاق، ومتى رأيت العبد لا يزيده بكاؤه
إلا كِبراً وعجباً وظُلماً وقسوةً وغفلة ورغبةً في الدنيا، فاعلم أن بكاءَه كان
تصنُعاً وزورا.

وجاء في الخبر في أن بكاء عثمان في ساقيه، يعني أنه طويل
القيام، كثير التهجد والتلاوة في الليل، وجاء في عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه
إن لم تبكِ عيناه فقد بكى قلبه، وإذا جمع المرءُ بين بكاء العين وخشوع القلب وذلة
السر وخضوعه لله تعالى فقد استكمل الحال المحمدي الأتم، قال تعالى (ويخرون للأذقان
يبكون ويزيدهم خشوعا).

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:19

بسم الله الرحمن
الرحيم




وأهل
الكمال المحمدي مع خشوعهم وبكائهم في الله فهم أهل سكينة ووقار، وكذا كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فإنه كان أخوف الخلق كلهم من الله، وأشدهم حباً لله، ولم يكن
في خشوعه كثير الإنزعاج والقلق، وإنما كان خاشعاً باكياً وقوراً، صلى الله عليه
وسلم، وكان لِلَطافة طَوره، وعِزَّة حالِهِ، وجليل مشربِهِ مع الإعرابي كأنه
إعرابي، ومع الصبي بمعناه؛ يتصابى له ويمازحه، ويرقُّ للضعفاء والنساء والعجزة
والمساكين، يقارب الكل في علومهم، ويخاطبهم بعقولهم، ويظهر لهم من وَجده وحاله ما
تحمله هممهم؛ ليعطيهم نصيبهم من فضله وذوقه والأنس به، أرواحنا لجنابه العظيم
الفداء.


يُوَفيهم حقوق الأنس لكيلا تصدَّ قلوبهم عن العلم بحاله الكريم
بجليل هيبته، فينقطعوا عن السؤال منه، والأخذ عنه، وكذلك الأنبياء إخوانه عليه
وعليهم أفضل الصلاة والسلام، ووراءهم الصديقون والعارفون وأمناؤهم العلماء
العاملون.


قال شيخ مشايخ الإسلام مولانا (السيد أحمد الرفاعي) رضي الله عنه
وعنّا به: من طالَبَ الخَلق بعِلمه، وخاطبهم بعقله فقد بخسهم حقوقَهم، ولم يقم بحق
الله فيهم، وكان يحيى بن معاذ رضي الله عنه يقول: لا تُخرج أحداً من دربه، ولا
تخاطبه بغير علمه فتتعب ولا ينتفع منك، ولكن اغرف له من نهره، واسقه بكأسه.


قلت: وقد ترى أناسا لضعف عقولهم يأخذهم طارق خوفٍ فلا يقف أحدهم معه بما
يليق له، فيُجاوز الحدَّ في المجاهدة، ويفرط في الجوع والسهر والصوم، وكل ذلك
مردودٌ وباطل. قال أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول (لا
تُشدِّدوا على أنفسِكم فيُشدِّد الله عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسِهم فشُدِّدَ
عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم).


وقال عروة رضي الله عنه: دَخَلَتْ امرأةُ عثمان بن مظعون على عائشة رضي
الله عنها وهي باذّة الهيئة فسألتها: ما شأنك؟ فقالت: زوجي يقوم الليل، ويصوم
النهار، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت عائشة ذلك له، فلقي رسول الله
عثمان فقال (يا عثمان! إن الرهبانية لم تُكتَب عليها "أي على زوجته" فما لك فيّ
أسوة؟ فوالله إن أخشاكم لله، وأحفظكم لحدوده لأَنا).


وقد أمر رسول الله صلى
الله عليه وسلم بالاقتصاد، وهو الحال الوسط، فقال عليه الصلاة والسلام (سدِّدوا
وقاربوا، وعليكم بالقصد "أي الوسط من الأمور"، فإن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق،
ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله)، أي لا تعمل مُتجاوزاً للحد فتضجر وتشمئز نفسك من
عبادة الله، وهذه كانت سيرته صلى الله عليه وسلم في نفسه وآل بيته وسُنَّته في
أصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

_________________

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:20

بسم الله الرحمن
الرحيم




مرحلة الرجاء




الرجاء
من أعظم مراتب اليقين، قال الله تعالى (إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في
سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله)، وقد فسر صلى الله عليه وسلم المُجاهد والمُهاجر
فقال (المجاهدُ من جاهدَ نفسه في طاعة الله ، "أي ألزمَها طاعة الله ومنعها عن
معصيته"، والمهاجرُ من هجر الخطايا والذنوب).


دخل رسول الله صلى الله عليه
وسلم على رجلٍ في مرضِ موته فقال (كيف تجدك؟) فقال: أجدني أخافُ ذنوبي وأرجو رحمةَ
ربي. فقال (ما اجتمعا في قلب عبدٍ في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما رجا، وآمنه مما
يخاف)، وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته فقال (لا يموتن أحدكم إلا وهو
حَسَنُ الظنِّ بالله عز وجل)، وفي الحديث القدسي (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما
شاء)، وقد كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يحلف بالله أن العبد لم يحسن الظن
بالله إلا ويعطيه الله ما يريد؛ لأن الخير كله بيده، وإذا أعطي العبد حسن الظن، فقد
أعطاه ما يظنه، لأنه هو الذي أعطاه حُسْنَ الظن به، وأراد أن يحقق له ظنه.


وقد سئل الإمام الأكبر مولانا (السيد أحمد الرفاعي) رضي الله عنه عن علامة
الراجين فقال رضي الله عنه: دَلَّنا على ذلك القرآنُ العظيم، قال تعالى في كتابه
العزيز (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سِرَّاً
وعلانيةً يرجون تجارةً لن تبور).

ثم قال رضي الله عنه: الرجاء غير التمني، وهو،
أي الرجاء، حُسْنُ الظن بعد صالح العمل، والتمنِّي إهمال العمل، والاغترار بالله
تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت،
والأحمق من أتبَع نفسه هواها وتمنَّى على الله)، انتهى كلامه العالي واستدلاله
الغالي.


ومن آداب الرجاء الذلُّ لله بصالحِ العمل، وعدم رؤية النفس، وحسن
الظن به سبحانه والرجاء ممتزج بالدعاء امتزاج ماء الضياء بالعين، فإن الرجاء طلب
الخير من الله تعالى بلسان السِرّ، والدعاء طلب الخير من الله باللسان الناطق، ولا
يُجاب الداعي إلا إذا كان مُخلِصاً يدعو الله تعالى وهو موقنٌ بالإجابة، وهذا هو
حسن الظن بالله جلت قدرته.


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا دعَوتُم
فكونوا مُوقنين بالإجابة، فإن الله تعالى لا يقبل إلا من مُوقن)، وقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم (ما مِن داعٍ دعا موقِناً بالإجابة في غير معصيةٍ أو قطيعةِ
رحم، إلا أعطاهُ اللهُ إحدى ثلاث، إما أن يجيب دعوته فيما سأل، أو يصرف عنه من
السوء مثلها، أو يدَّخِر له في الآخرة ما هو خير له).


وقد قالوا: سُلَّم
الرجاء، وباب الدعاء، التوبة الصالحة، ولذلك فالرجاء والتوبة مرحلة واحدة في
الطريق، قال الله تعالى (وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون)؛ أي
لعلكم تنالون ما رجَوتموه من الفلاح، وسألتموه من الخير والنجاح، وقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم (التائب حبيبُ الله، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له)، وإذا كان
العبد حبيب ربه فلا ريبَ أن الله يُحسن إليه بالنجاح والفلاح.


والتوبةُ هي
الرجوعُ عن الطريقِ المُبعِدِ عن الله تعالى إلى الطريق المقرِّبِ منه سبحانه،
ومعناه الرجوع عن اتباع الهوى إلى اتباع كتاب الله وسُنِّة رسوله صلى الله عليه
وسلم، وذلك أوضح طُرُقِ السالكين، ومفتاح السعادة للطالبين، وباب النجاح للمؤمنين.


وزاد التائب الاستغفار؛ فهو قوت السالك ومفزعه، قال تعالى (استغفروا ربكم
ثم توبوا إليه)، وقال سبحانه (ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله
تواباً رحيما)، ولا يكون التائب مُحِقَّاً في توبته، صادقاً بها، إلا أن يمقت نفسه
على ما كان منها من ظلمٍ و وِزْر، وأن يندم على ما مضى منه، وأن يتبع طريق من أناب،
فيشتغل بتهذيب النفس وتزكيتها بالقول والخُلُق والعمل ليصلح ما أفسد، قال اللهُ
تعالى (إنَّ الحسناتِ يُذهِبْنَ السيئات)، وأن يتدارك وقتَه بالندم ودوام حُزن
القلب ليكون مستيقظاً في شؤونه كلها، فيستبدل بحلاوة الغفلة حلاوة التنبه، وبحلاوة
المعصية حلاوة الطاعة، وبحلاوة الكسل حلاوة العمل، وبحلاوة الإهمال حلاوة الذكر،
وأن لا ينظر إلى صغر الخطيئة، بل ينظر إلى عظمة من عصاه سبحانه.


وعليه أن
يخالط الذاكرين والصالحين، وأن يعظِّم العلماءَ وأهلَ الأحوال المباركة، ليكون له
حصة من قالهم وحالهم، وأن لا يسُنَّ سُنَّة سيئة يُعمل بها من بعده فتكون وِزراً
عليه، وأن يجهد أن يسُنَّ سُنَّةً حسنة ليعودَ أجرُها إليه. قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم (مَن سَنَّ سُنَّةً سيئةً فعمل بها مَن بعده فإن عليه مثل وِزرِ مَن عمل
بها لا ينقص من أوزارهم شئ)، وقال عليه الصلاة والسلام (من سَنَّ في الإسلام
سُنَّةً حسنةً فله أجرُها وأجرُ من عمِل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ، ومن
سَنَّ في الإسلام سُنَّةً سيئة كان عليه وِزرُها و وِزرُ مَن عمل بها مِن بعده مِن
غير أن ينقص مِن أوزارِهم شئ.

_________________

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:20

بسم الله الرحمن
الرحيم




وقال الحِبر الأعظم ترجمان القرآن سيدنا عبد الله بن عباس
رضي الله عنهما: ويلٌ للعالِمِ من الاتباع، يزلُّ زلةً فيرجع عنها، ويحتملها الناس
ويذهبون في الآفاق. وقد شبّه العلماءُ زلةَ العالِم بانكسار السفينة تغرق ويغرق
الخَلْقُ معها . وجاء في الأخبار، أن عالِماً في بني إسرائيل كان يضل الناس بالبدع
ثم تاب وأصلح عمله، فأوحى الله إلى نبيهم: قل له: إن ذنبك لو كان فيما بيني وبينك
لغفرته لك بالغاً ما بلغ، ولكن كيف بمن أضللتَ من عبادي فأدخلتهم النار؟


وليُعلَمَ أن التباعد عن السُنَن السيئة والإهتمام بالسُنَن الحسنة لا يكون
إلا من كمال الخوف من الله تعالى، كما أن الجرأة على إحداث السُنَن السيئة والإعراض
عن السُنَن الحسنة من الغفلة عن الله سبحانه، قال اللهُ تعالى (كلا بل ران على
قلوبهم ما كانوا يكسبون)، أي من الذنوب التي تتوالى، الذنبُ على الذنبِ حتى
تَسْوَدَّ القلوب، فلا تعرف معروفاً ولا تُنكِر مُنكرا، فيمرد أصحاب تلك القلوب على
النفاق، ويسكن فيها وتطمئن به والعياذ بالله تعالى.


وأزلقَ الناسِ في هذه
الوهَدَات زُمَرُ المُتشيِّخة من الفقهاء والصوفية الذين انبعثوا مع هفوات آرائهم،
وأعجبتهم طقطقة النعال حولهم، وكثرة المعتقدين والطلاب، فوسوس لهم الشيطان وخدعهم
فأحدثوا في المذاهب والطرق الشريفة ما لم يقل به السلف، يريدون بذلك زيادة استمالة
الناس من العامة، وهاهم بين ظهراني الأمة يكذبون على الله ويفترون على رسوله صلى
الله عليه وسلم، والله تعالى قال (ومن أظلمُ مِمَّن افترى على الله كذبا).


يخوضون في الدين، ويغشون المسلمين، ويأتون بالعجب العُجاب من المعتقدات
الفاسدة والبضائع الخبيثة الكاسدة، ويُبيحون المحرمات، ويُحرِّفون معاني الأخبار
والآيات، ويفسِّرون كلامَ الله بآرائهم، ويجذبون جماهير العامة من بحبوحة صحتهم إلى
وهدةِ دائهم، يتكلمون بالحلول والإتحاد، ويبثون في الأرض الفساد والإلحاد، ويُكثرون
من الشطحات والدعاوى العريضة والترهات، فمثل أولئك عصابة الخدعة والمكر، والفرار
منهم يجب كما يجب الفرار من المجذوم.


وليُعلَم أن ما يحصل في القلب من
الخوف والرجاء والتوبة والصبر والشكر والحزن والفرح والميل والإعراض والحقد والصفح
والشوق والنفرة والحب والبغض إن كان سريع الزوال سمي حالا؛ أي من أحوال القلب، وإن
كان بطيء الزوال، أو غير زائل، سمي مقاما؛ أي من مقامات القلب.


فالمقام إن
كان محموداً سُمي خُلُقاً حسنا، وإن كان مذموماً سمي خُلُقاً سيئا، إذ العمل الصالح
يُنتِجُ حالاً محموداً، والعمل السيئ ينتج حالاً مذموماً، والحال المحمود يُنتج
وَجْداً صادقاً، والمذموم يمر على الخاطر بالأوهام فيحرك تواجداً كاذبا، فما كان عن
هزة القلب من غير قصد كان وجداً صالحا، وما كان عن تكلُّف وهم كان تواجدا كاذبا.


والتواجد كالتباكي إن كان عن استعمال القلب واستخدام الفكر في أمر الآخرة،
ومفارقة المستعارات، وحث الخاطر على طلب الحق، فذلك التواجد ينتج بكاء أو تباكيا،
وهو ممدوح. يدلك على ذلك قول المصطفى صلى الله عليه وسلم (اتلوا القرآن وابكوا، فإن
لم تبكوا فتباكوا).


روى القاسم بن أبي بزَّة أن ابن عُمر رضي الله عنهما
قرأ (ويلٌ للمطففين) حتى إذا بلغ (يوم يقوم الناس لرب العالمين)، فبكى حتى خرَّ
ساقطاً وامتنع من القراءة. وروى ابن أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع قارئاً يقرأ
(إن لدينا أنكالاً وجحيما وطعاماً ذا غُصَّةٍ وعذاباً أليما)، فصُعِقَ خشيةً لله
تعالى.


قال الله سبحانه (اللهُ نزَّل أحسن الحديث كتاباً متشابها مثانيَ
تقشَعِرُّ منهُ جلودُ الذين يخشَون ربَهم، ثم تلينُ جلودُهم وقلوبهم إلى ذكر الله).
قال عبدالله ابن مسعود رضي الله عنه: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (اقرأ
علي)، قال: قلتُ: كيف أقرأ عليكَ وعليكَ أُنزل؟ قال (فإنّي أُحب أن أسمعه من غيري)،
قال: فافتتحتُ سورةَ النساء فقرأتُ حتى إذا بلغتُ (فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيدٍ
وجئنا بك على هؤلاء شهيدا)، قال: فغمزني بيده وقال(حَسْبُك)، فنظرتُ إليه وعيناه
تدمعان.


ونتيجةً لما يُقال عن الوَجد والتواجد، والبكاء والتباكي، إن كان
الباعث على ذلك اتِّباع الشرع، وخوف الله أو محبته و محبة رسوله صلى الله عليه وسلم
وورّاثِهِ ونوابِهِ وعباد الله الصالحين فهو ممدوحٌ محمود، وإن كان الباعث عليه
اتباع الهوى كان مذموما، فاجهد، أي بني، أن تجعل مقاصدك وأعمالك كلها لله، والله لا
يضيع أجر المحسنين.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
عاشق النبي

{{ المدير العام }}{{ المدير العام }}
avatar

ذكر


المساهمات : 2505
الجنسية : سورية
السٌّمعَة : 18
عدد النقاط : 1249
مزاجي :

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة 20 فبراير 2009, 06:21


بسم الله الرحمن
الرحيم




مرحلة
الصبر



قال
اللهُ تعالى (واصبروا إن الله مع الصابرين)، وقال تعالى (إنما يوفى الصابرون أجرهمَ
بغير حساب)، وقال سبحانه (ولنجزِيَنَّ الذي صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)،
وقال جلَّت قدرته (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).

وفي الخبر عن النبي الأطهر الأزهر صلى الله
عليه وسلم (مِن أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر، ومن أُعطِيَ حظه منهما لم
يُبالِ ما فاته من قيام الليل وصيام النهار، وأن تصبروا على مثل ما أنتم عليه أحب
إلي من أن يوافيني كل امرئٍ منكم بمثل عمل جميعكم ، ولكني أخاف أن تفتح عليكم
الدنيا بعدي ، فينكر بعضكم وينكركم أهل السماء عند ذلك، فمن صبر واحتسب ظفر بكمال
ثوابه)، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم (ما عندكم ينفد وما عند الله باق).


وإن
من أشرف مراتب الصبر حبس النفس عن أغراضها، ومن أهمها إضرار المخلوقين، وهضم
مقاديرهم وحقوقهم، وقال تعالى (ولا تبخسوا الناس أشياءهم)، وقال ابن عباس رضي الله
عنهما: الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه، صبرٌ على أداء الفرائض، وصبرٌ عن محارم
الله، وصبرٌ في المصيبة عند الصدمة الأولى، فمن صبر على أداء فرائض الله فله
ثلاثمائة درجة، ومن صبر عن محارم الله فله ستمائة درجة، ومن صبر في المصيبة عند
الصدمة الأولى فله تسعمائة درجة.


وتنبه أيها المحب، ترى الصبر عن محارم
الله أفضل من الصبر على أداء فرائض الله، وقد ترى الفاسق ربما يصبر على أداء فرائض
الله، ولكن لا يصبر عن محارم الله. ورضي الله عن السيد سراج الدين الرفاعي المخزومي
فإنه قال:



ليس
الشجاعُ الذي يحمي فريسَتَهُ= يوم القتالِ ونارُ الحربِ تشتعلُ

لكنَّ مَن كَفَّ
طرفاً أو ثنى قَدَماً =عن الحرامِ فذاك الفارسُ البطلُ


doPoetry()

1

2ليس الشجاعُ الذي يحمي فريسَتَهُ يوم القتالِ ونارُ الحربِ iiتشتعـلُ

لكنَّ مَن كَفَّ طرفاً أو ثنى iiقَدَماً عن الحرامِ فذاك الفارسُ iiالبطلُ


ومن أشرف مراتب الصبر، الصبر على إعطاء أهل الحقوق حقوقهم،
قلّت أو جلّت، قربوا أو بعدوا، سواء كانت الحقوق معنوية أو مادية، فإن مَن أهمل
حقوق الناس ولو بدانق أو بكلمة أو بجلسة، ولم يصبر على القيام بها، وإن خالفت غرض
نفسه، فما هو من الحق ولا من الشرع بشئ، وهذا الشأن من مقام كفّ الأذى عن الخلق،
وهو مقام الخُلَّص من الصالحين.


ومِن الصبر احتمالُ الأذى من الناسِ لوجه
الله تعالى، وهو مقام المتوكلين الذين انصرفت هِمَمَهُم عن غير الله سبحانه وتعالى،
قال الله تعالى (وما لنا ألاّ نتوكل على الله وقد هدانا سُبُلَنا ولنَصْبِرَنَّ على
ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون).


ومن عوالي مراتب الصبر، الصبر
على الغنى والعافية، فلا يستعين بنعمة الثروة أو بنعمة العافية على معصية الله
تعالى، فحاجة العاقل إلى الصبر على هذه الأحوال فوق حاجته إلى الصبر على المكاره
والفقر، قال سهل رضي الله عنه: الصبر على العافية أشد من الصبر على البلاء، والصبر
على الغنى أشد من الصبر على الفقر. وكذلك قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
لما فتحت عليهم الدنيا وأثروا، واتسعت معيشتهم: ابتُلينا بفتنة الضَرَّاء فصبرنا،
وابتلينا بفتنة السَرَّاء فلم


نصبر. فعظَّموا شأنَ الاختبار بالسَرَّاء على
الاختبار بالضراء، قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تُلهِكُم أموالكُم ولا
أولادكم عن ذكر الله).


ومن الصبر أيضا، الصبر على كتمان المصائب والفقر،
وإخفاء أعمال السر من كل ما هو من البر، ومنه الصبر عن حب المدح والحمد، قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم (الصبر في ثلاث، الصبر عن تزكية النفس، والصبر عن شكوى
المصيبة، والصبر على الرضا بقضاء الله خيره وشره).


قلتُ: ومن الصبر أيضا،
الصبر على إيقاف النفس في ساحة الخمول مع التواضع والذلة لله، وإيثار الآخرة على
الدنيا تقربا إلى الله تعالى وتحققا بوصف العبودية، مع ترك المنازعة في أوصاف
الربوبية.


ومنه الصبر على العيال في الكسب لهم من الحلال، والإنفاق عليهم
بالوجه الوسط الشرعي، واحتمال الأذى منهم، فإن في أمور العيال طرقات إلى الله
تعالى، أدناها الاهتمام بأمرهم، وأوسطها تهذيبهم والإنفاق عليهم لله تعالى، وأعلاها
التوكل على الله بأمرهم، والرضا منه سبحانه في كل ما يؤول إليهم.


ومن
الصبر، التدبر مع التحقق بمعنى قوله تعالى ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرٌ لكم وعسى
أن تحبوا شيئاً وهو شرٌّ لكم).


فإن أردت أيها المحب فضيلة الصبر فالتحق
بالصابرين، ولا تنس حكم "إن الله مع الصابرين" ، واتعظ بكل واردٍ إلهي، ولا تبصر
الوارد الإلهي كيف كان الأخير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن المؤمن إذا
أصابه السقم ثم عافاه الله، كان كفارة لما مضى من ذنوبه وموعظة فيما يستقبل، وإن
المُنافق إذا مرض ثم أعفي كان كالبعير، عقله أهله ثم أرسلوه، فلم يدر لم عقلوه ولم
أرسلوه). وقال عليه الصلاة والسلام (ما يصيب المسلم من نَصَبٍ ولا وصَبٍ ولا هَمٍّ
ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يُشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه).


قلت: والصبر في كل ما يبرزه القَدَرُ للعبد هو تمام الأدب مع المُبرِز
الحقِّ سبحانه وتعالى، فإذا صبر ظفر بالعناية من الله والرحمة والأجر العظيم، وكان
من أهل المعيَّة وكفى بها مَزِيَّة. ويجب على العاقل إذا لم يكن صابراً أن يتصبَّرَ
ويتكلَّفَ للصبر ليكون مع القوم وليدخل في عِدادهم. يقول القائل:




فتشبَّهوا
إن لم تكونوا مثلهم= إنَّ التشبُّهَ بالكرامِ فلاحُ


doPoetry()

1فتشبَّهوا إن لم تكونوا مثلهم إنَّ التشبُّهَ بالكـرامِ فـلاحُ


ومن أشرف مراتب الصبر أيضا، الصبر على ستر الكرامة وعلى
كتمانها. قال شيخنا الإمام الأكبر مولانا (السيد أحمد الرفاعي) رضي الله عنه وعنا
به: الأولياء يستترون من الكرامات كاستتارِ المرأة من دم الحيض.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.3ushaqalnaby.com
 
كتاب مراحل السالكين
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 3انتقل الى الصفحة : 1, 2, 3  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى عشاق النبي :: ~¤ô¦¦§¦¦ô¤~ القسم الاسلامي ~¤ô¦¦§¦¦ô¤~ :: المنتدى الإسلامي :: المنتدى الصوفي-
انتقل الى: